بالأمس قرر الرئيس الامريكي دونالد ترامب إنسحاب بلاده من منظمة الإسكوا في لبنان. الامر الذي يشكل ضربة جديدة ذات نتائج سلبية على لبنان.
فقد أمر الرئيس دونالد ترامب، في قرار وقعه بالأمس (٢٠٢٦/٠١/٠٧) في البيت الأبيض، وقف التمويل والمشاركة في ٦٦ منظمة دولية : ٣١ منظمة دولية تابعة لمنظمة الأمم المتحدة، و ٣٥ منظمة دولية لا تتبع للأمم المتحدة. من بين هذه المنظمات نجد اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا – ESCWA)، المقيمة في بيروت بناء لاستضافة الدولة اللبنانية منذ أعوام نهاية القرن العشرين لغاية تاريخ اليوم.
من المؤكد أنه سيكون لهذا القرار تأثيرات سلبية كبيرة وحادة على قدرات وموارد ووسائل عمل منظمة الإسكوا، خاصة ما يرتبط بتمويل برامجها الإنمائية والتنموية والبحثية الإحصائية، العربية والإقليمية.
لقد جاء قرار الإنسحاب استمراراً في إنفاذ السياسة الأمريكية المستقرة في الطلاق من المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية؛ والتي اراد لها الرئيس الأمريكي شعاراً هو : “أمريكا أولاً”، معتبرًا ان هذه المنظمات هي هياكل دولية خشبية وعقيمة “مكررة، ومهدرة للمال والوقت، وإسرافية، ومخالفة للمصالح الأمريكية”.
لقد تم تحديداً إدراج منظمة الإسكوا، المقيمة في بيروت، ضمن اللائحة التي تنسحب منها الولايات المتحدة الأمريكية داخل مجلس الشؤون الاقتصادية والاجتماعية لمنظمة الأمم المتحدة .
ومنظمة الإسكوا تعتمد اساساً في عملها على ميزانية سنوية تقارب حوالي ٣٠ مليون دولار امريكي، تتأمن بشكل كبير من خلال مساهمات الأمم المتحدة، وتبرعات طوعية أخرى من جهات حكومية او خاصة أخرى. وتشكل الولايات المتحدة أكبر مانح عالمي في موازنة المنظمة، سواء بمساهمتها غير المباشر في ميزانية الأمم المتحدة، او في مساهمتها المباشرة في تمويل عددٍ من مشاريع ودراسات الإسكوا. وسوف يكون، بالتالي، لقرار إنسحابها تهديد مباشر لاستمرار عمل برامج ودراسات ومشاريع الإسكوا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتقليص دورها في ورش بناء القدرات وإعداد البحوث الإقليمية في دول غرب آسيا.
قرار الانسحاب الأميركي من الإسكوا ليس إداريًا عابرًا، بل خطوة سياسية تحمل آثارًا عميقة على التنمية في لبنان وغرب آسيا
إن قرار الرئيس الامريكي سوف يؤدي حتماً إلى إضعاف القدرات التشغيلية للإسكوا، ويعيق برامجها ومشاريعها التي تتمحور، وفق المهمة المحددة لها في شرعتها، حول الاندماج الاقتصادي، وحسن إدارة الموارد الطبيعية، والحوكمة الرشيدة في إنتاج وإدارة الخدمات، وتنمية إدخال الرقمنة، وتطوير إنتاج الطاقات البديلة، وإعادة تكوين أدوات اتخاذ القرار الرسمية.
وستفقد الإسكوا في تقاريرها ودراساتها وحلولها المقترحة بعضاً من القيمة المعنوية التي كانت تتأتى من الدعم الأمريكي لها والموافقة الأمريكية في تمويلها.
كما ان قرار الإنسحاب الامريكي قد يدفع بقوى إقليمية أخرى، مثل الصين، إلى محاولة ملء الفراغ الناتج، الأمر الذي قد يؤدي إلى تغيير سياقات واولويات التعاون بين دول الشرق الأوسط ودول غرب آسيا.
من جهة أخرى، وحيث ان منظمة الإسكوا تقوم بلعب دور حقيقي ومحوري في إنجاز مشاريع فكرية ودراسات تقنية وتنظيمية داعمة للدول العربية في مجال السياسات الاقتصادية والاجتماعية، فإن قرار الانسحاب الامريكي سيؤدي إلى تأخير الإسكوا بالاستجابة في إعداد مقترحات ومقاربات حل الأزمات، مثل النزاعات والفقر.
وإن لبنان، الذي يعتمد على تقارير الإسكوا في مجالات عديدة مثل الاتصالات والاقتصاد والحوكمة وقياس معدلات التنمية البشرية، سيتأثر سلباً نتيجة ضعف القدرة على صياغة عددٍ من السياسات الفعالة وتأخير تنفيذ عدد من الاتفاقيات الموقعة مع الإسكوا. كما أننا قد نلحظ، بسبب غياب التمويل الأمريكي، تخفيضاً قهرياً في عدد الموارد البشرية من الاستشاريين والتقنيين اللبنانيين العاملين في هذه المنظمة، في وقت تشتد فيه الأزمة الإقتصادية اللبنانية.
الإسكوا، التي تتخذ من بيروت مقرًا لها، ستفقد جزءًا أساسيًا من قدرتها التشغيلية نتيجة غياب أكبر مانح في موازنتها
فمن المتوقع إذن ان تتأثر سلباً، وفي مدى غير بعيد، جميع برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتربوية التي تقوم بها منظمة الإسكوا، وجميع الاتفاقيات التعاقدية القائمة بينها وبين الإدارات والمؤسسات والهيئات العامة، في دول منظمة الإسكوا نظراً لاعتمادها بشكل أساسي على ميزانية المجلس الإقتصادي والاجتماعي في الأمم المتحدة التي كانت ترتكز على مساهمة أمريكية كبيرة ومباشرة.
المشاريع المتضررة الرئيسية :
إعداد التقارير الاقتصادية والتنموية: مثل “عمليات مسح التطورات الاقتصادية والاجتماعية”، التي تجري تحليلاً دقيقاً لمعدلات النمو في المنطقة العربية، والتي قد تتوقف عن الصدور او يتم تضييق آفاقها بسبب نقص موارد البحث والنشر.
بناء القدرات والشراكات: مثل برامج الابتكار والشراكات الإقليمية، كتلك المتعلقة بالدراسات المعمقة حول البطالة والفقر واسبابهما وطرق معالجتهما واقتراح الحلول والمقاربات بشأنهما، والتي ستفقد دعمًا فنيًا وماليًا كبيراً، مما سوف يؤثر سلبا على دول مثل لبنان وسوريا والأردن واليمن والضفة الغربية وقطاع غزة في فلسطين المحتلة.
الاستدامة والتكنولوجيا : مثل مشاريع نقل التكنولوجيا والرقمنة والطاقات البديلة ومواجهة التصحر، التي ستصاب بتباطؤٍ أكيد، وربما إلغاء جميع الدراسات المتعلقة بالتحول نحو الطاقات الخضراء والتعاون الأفقي العابر للحدود بين الدول الأعضاء في الإسكوا.
تنظيم الندوات وحلقات الدراسة والنقاش والمؤتمرات الدولية والإقليمية : مثل منتديات الحوكمة لخدمات الاتصالات، والتحضيرات للمؤتمرات الدولية المتخصصة في القمة العالمية لمجتمع المعلومات، واهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، وإعداد الورقات العربية واللبنانية للمساهمة في هذه المؤتمرات، ودعم التنسيق بين الوحدات المختصة في جامعة الدول العربية في القاهرة والمنتديات العالمية، فإن إنخفاض التمويل الناتج عن الانسحاب الأمريكي سوف يصيب هذه النشاطات في الصميم ويخفف من مشاركة الإسكوا فيها.
مشاريع بناء القدرات المحلية: مثل ورش العمل والتدريب حول الاندماج الاقتصادي والحوكمة، الموجهة للمؤسسات الحكومية والخاصة، فإنها ستفقد دعمها المالي، مما سوف يعيق تنفيذ خطط التنمية المستدامة محليًا في كل دولة.
«شعار “أمريكا أولاً” تحوّل عمليًا إلى سياسة طلاق ممنهج مع المنظمات الدولية، على حساب الاستقرار والتعاون الإقليمي.
المصادر البديلة المحتملة للتمويل :
من المؤكد ان منظمة الإسكوا سوف تلجأ إلى مصادر تمويل بديلة، وإلى مانحين إحتماليين كدول الخليج العربي أو الصين. لكن ذلك سوف يتسبب حكماً بتغيير جذري في برامج الإسكوا وبتعديلٍ في أولوياتها والتوجه نحو مصالح أخرى، مما يضعف تأثيرها في الشرق الأوسط.
اما فيما يتعلق بلبنان، كدولة المقر من جهة، وكدولة لديها الكثير من الاتفاقيات التنموية الموقعة مع الإسكوا والتي تعتمد بشكل كبير على تقارير الإسكوا في التنمية الاجتماعية والتطور التربوي وقياس المؤشرات الاقتصادية وتحديث التوجهات في حوكمة قطاع الاتصالات والانترنيت وأيضا في القطاعات الاقتصادية من جهة آخرى، فإنه سيواجه صعوبة كبيرة في استمرار صياغة سياسات غنية وفعالة.

