تدخل المنطقة مرحلة شديدة الحساسية، تتقاطع فيها التحولات العسكرية والسياسية مع متغيرات دولية كبرى، أبرزها الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بعملية عسكرية خاطفة قادتها الولايات المتحدة، وما رافقها من مؤشرات على أفول محور كاراكاس – طهران، وتداعيات محتملة على حلفائه في الشرق الأوسط، وفي طليعتهم “حزب الله”. هذه التطورات، بتزامنها مع الاحتجاجات المتنامية في إيران والتلويح الأميركي بالتدخل، أعادت خلط الأوراق وفتحت باب الأسئلة حول المرحلة المقبلة وحدود التصعيد.
تل أبيب: استعداد لحرب متعددة الجبهات
في هذا السياق، كشفت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية عن اجتماع أمني ترأسه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، خُصص لبحث استعداد المنظومة الأمنية لاحتمال القتال على أربع جبهات: إيران، اليمن، لبنان وغزة. هذا المعطى يعكس انتقال إسرائيل من إدارة الأزمات الموضعية إلى سيناريو المواجهة الشاملة، أو على الأقل الاستعداد لها، في ظل قناعة بأن تراجع محور الممانعة قد يفتح نافذة ضغط استراتيجية يجب استثمارها.
لبنان تحت المجهر الدولي
لبنان، بدوره، يقف في قلب هذه العاصفة. فملف حصر السلاح شمال الليطاني يتقدم كعنوان داخلي ضاغط، مع استعداد قائد الجيش العماد رودولف هيكل لعرض حصيلة الإجراءات الميدانية أمام مجلس الوزراء، في محاولة لتفادي ضربة إسرائيلية محتملة. لكن هذا المسار يصطدم برفض “حزب الله”، ما يضع الدولة اللبنانية أمام اختبار القدرة على فرض القرار السيادي في لحظة إقليمية لا تحتمل الرمادية.
توازياً، تنشط الحركة الديبلوماسية حول لبنان. زيارة المنسقة الخاصة للأمم المتحدة جينين هينيس-بلاسخارت إلى إسرائيل، وجولة وكيل الأمين العام لعمليات السلام جان بيير لاكروا على المسؤولين اللبنانيين، إضافة إلى زيارات أوروبية مرتقبة، كلها مؤشرات على أن لبنان بات جزءاً من نقاش أوسع حول مستقبل التوازنات الأمنية في المنطقة. في المقابل، تحرص طهران على توجيه رسالة معاكسة، عبر تأكيد المتحدث باسم خارجيتها أن العلاقة مع لبنان “عريقة وطويلة الأمد”، في محاولة لطمأنة الحلفاء ومنع تسرب فكرة التخلي.
انقسام وضغط سياسي
داخلياً، يتعمق الانقسام حول سلاح “حزب الله”. مواقف قوى سياسية، وفي طليعتها “القوات اللبنانية”، تعكس توجهاً يعتبر أن التباطؤ في تنفيذ قرارات الدولة يمنح إسرائيل ذرائع إضافية، فيما يرى الحزب أن الضغوط الإقليمية تهدف إلى نزع أوراق القوة قبل أي تسوية شاملة. هذا الاشتباك السياسي يتغذى من التطورات الإقليمية ويجعل الساحة اللبنانية أكثر هشاشة.
ولا ينفصل هذا المشهد عن البعد المالي. فدعوة جمعية مصارف لبنان إلى موقف “حر وشجاع” لحماية المودعين والقطاع المصرفي تعكس إدراكاً بأن أي اهتزاز أمني إضافي سيقضي على ما تبقى من مقومات التعافي الاقتصادي. هكذا، يتقاطع الأمن بالاقتصاد، والسياسة بالديبلوماسية، في لحظة يبدو فيها لبنان أمام مفترق بالغ الدقة.
خلاصة المرحلة
بين استعداد إسرائيل، ضغط واشنطن، رسائل طهران، وارتدادات الزلزال الفنزويلي، يجد لبنان نفسه مجدداً ساحة اختبار لتوازنات أكبر منه. السؤال لم يعد فقط كيف يتفادى الحرب، بل كيف يتموضع في مرحلة إعادة رسم النفوذ، من دون أن يدفع مرة جديدة كلفة صراعات الآخرين.

