تشهد إيران اليوم احتجاجات شعبية يصفها البعض بأنها حراك “فارسي الطابع” محدود الانتشار حتى الآن، ويرى آخرون أن اتساعه مرتبط بمشاركة الأعراق والإثنيات المختلفة في البلاد. كما يعتبر بعض المختصين أن الطبقات المتوسطة والأغنياء أصبحوا لاعبين مؤثرين في المشهد الاحتجاجي، في ظل تراجع القدرة الشرائية والأزمة الاقتصادية، ما يضع النظام الإيراني أمام تحديات داخلية صعبة. في هذا السياق، أجرى موقع “جنوبية” حوارًا معمّقًا مع مختصين في الشأن الإيراني في محاولة لاستشراف مستقبل هذا الحراك وإمكاناته.

الحراك فارسي وانتشاره مرهون بمتغيرات قومية!
يرى الكاتب الصحفي والناشط السياسي اللبناني مصطفى فحص أن “جوهر المسألة داخلي وليس خارجي”، ويجب قراءة الاحتجاجات من هذا المنظور. فالحراك المطلبي الشعبي الإيراني “قد يتوسع أو لا يتوسع تبعًا لعدة أسباب ومعطيات بحسب انخراط الأعراق والإثنيات المتنوعة داخل إيران في هذا الحراك”. ويلفت إلى أنه، حتى الآن، يأخذ الحراك طابعًا فارسيًا فقط، وهذه أزمته، لأن الزخم الاحتجاجي محصور في المدن ذات الأغلبية الفارسية حتى الآن، ولكي يتوسع ليصبح تأثيره أكبر يجب أن يطال مختلف الشرائح والمكونات المجتمعية من الأعراق والإثنيات.
ويؤكد فحص على أن الخطأ الكبير للحراك المطلبي هو أنه لم يوحد الشعارات، ومن هذه الأخطاء رفع شعار “عودة أسرة بهلوي إلى الحكم”، وهو ما يراه فحص يتضارب مع مصالح الأعراق والإثنيات الأخرى داخل إيران، كالآذريون والأكراد والعرب، الذين يفضلون بقاء النظام الحالي بكل مساوئه وظلمه على عودة النظام القديم المتمثل بأسرة بهلوي بسبب التمييز القومي الذي كان ينتهجه.
أما عن مستقبل هذا الحراك المطلبي، فهناك تساؤلات تُطرح، منها: كم سيستمر هذا الحراك؟ وهل سيشارك العرب والأكراد والأتراك، وهي أعراق كانت على الدوام تعتبر أن هذه الاحتجاجات مجرد خلافات فارسية على السلطة بين المكون الأساسي في إيران، أي الفرس؟
انخراط طبقي في الحراك!
بحسب الدكتور خالد الحاج، المختص بالشؤون الإيرانية، في تصريحه لجنوبية، أشار بالقول: “الاستثنائي اليوم هو تحرك البازار”، ويعتبر أن “النظام الإيراني لديه ثلاث قواعد أساسية تقوم عليها قوته وصلابته: القاعدة الأولى هم البازار، والقاعدة الثانية هم رجال الدين والحوزات الدينية في قم وعدة مناطق أخرى، والقاعدة الثالثة هم الحرس الثوري والباسيج”.
عندما نتحدث عن البازار فإننا نتحدث عن الطبقة المتوسطة والأغنياء، وتجارتهم اليوم في هبوط، وأرباحهم تتقلص بفعل التضخم
ويضيف الحاج: “عندما نتحدث عن البازار فإننا نتحدث عن الطبقة المتوسطة والأغنياء، وتجارتهم اليوم في هبوط، وأرباحهم تتقلص بفعل التضخم الحاصل وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين”. معتبرًا أن الأزمة طالتهم وأثرت في استثماراتهم الخدمية والاقتصادية.
فما يحصل اليوم في إيران حدث استثنائي منذ انتصار الثورة الإيرانية، فالتحركات السابقة بين عامي 2009 و2017 كانت في معظمها تحركات تقتصر على مناطق جغرافية فقيرة، كجنوب طهران وعدة مدن لها طابع طبقي فقير، وفي الضواحي الشعبية بشكل عام، وكان يشارك في هذه المظاهرات الطبقة الفقيرة، بحسب تصريحات خالد الحاج.

البازار: أحد أعمدة النظام الإيراني
يعود الدكتور خالد الحاج إلى الماضي ليربط بين انتصار الثورة الإيرانية في العام 1979، ويذكر أنه في العام 1978، أي قبل سنة واحدة، كان تحرك البازار مؤثرًا في مسألة انتصار الثورة الإيرانية. كما يلفت إلى “العلاقة المميزة التي تجمع بين البازار الإيراني ورجال الدين”، ويعتبر أن رجال الدين والحوزات الدينية لديهم الكثير من المال بفعل “الخمس والزكاة”، والتي تأتي بمعظمها من رجال الأعمال والأغنياء، وخصوصًا من طبقة البازار.
حين يستاء رجال المال والأعمال من الوضع الاقتصادي، فذلك يعني انخفاض المردود المالي لرجال الدين والحوزات الدينية
ويتابع الحاج تشريحه للاحتجاجات المطلبية وانعكاساتها المحتملة بالقول: “حين يستاء رجال المال والأعمال من الوضع الاقتصادي، فذلك يعني انخفاض المردود المالي لرجال الدين والحوزات الدينية”. ويشير إلى أن استمرار الاحتجاجات وتردي الوضع الاقتصادي سينسحب على توتر هذه العلاقة بين قاعدتين أساسيتين يعتمد عليهما النظام الإيراني، أي البازار ورجال الدين. ويعتبر خالد الحاج أنه في اللحظة التي يخرج فيها رجال الدين عن صمتهم ويعبرون عن استياءهم، حينها يمكن القول إن وضع النظام الإيراني سيء.
لكنه يلفت إلى أن لدى إيران أموالًا مجمَّدة في الخارج تصل إلى 120 مليار دولار، وفي حال “أبدت إيران مرونة في تنفيذ ورقة الاستسلام للولايات المتحدة الأميركية، وقامت أميركا بتحرير أموال إيران في الخارج، فإن ذلك يعني إعطاء دفعة معنوية ومادية للنظام كي يبقى قويًا وصلبًا”. ولكن ذلك كله مرتبط بموافقة إيران على الشروط الأربعة التي وضعها ترامب.
شروط ترامب على الإيرانيين
“المفاوضات حتى اللحظة مغلقة بسبب الشروط الأميركية على طهران”، يصرح الكاتب والناشط السياسي اللبناني مصطفى فحص لجنوبية، ويعتبر أن ما قاله ترامب عن أنه على إيران عدم إضاعة الفرصة، يعتبر رسالة واضحة مفادها: “أن العلاقة بين الولايات المتحدة مع النظام الإيراني غير موجودة حاليًا، وهي العلاقة التي كانت على الدوام تراهن عليها إيران لعدم زعزعة استقرارها الداخلي”. ويشير إلى أن هذا لا يعني أن الأميركيين سيتدخلون في الاحتجاجات، لكنهم كشفوا النظام داخليًا.
ويرى فحص أن شروط المفاوضات “صعبة على الإيرانيين، فترامب يقول إنه كما قصف إيران في اليوم الواحد والستين بعد انقضاء مهلة الستين يومًا، فترامب متمسك بعدة مطالب: لا برنامج نووي، لا برنامج تسليح صاروخي استراتيجي، لا نفوذ إقليمي، كشرط لدمج إيران في المجتمع الإقليمي”.
ترامب لم يتخَلَّ عن المفاوضات ولم يتخَلَّ عن شروطه أيضًا، والكرة في ملعب الإيرانيين
وبذلك فإن ترامب لم يتخَلَّ عن المفاوضات ولم يتخَلَّ عن شروطه أيضًا، والكرة في ملعب الإيرانيين، وكما يبدو أن “الإيرانيين أرسلوا رسالة خطيرة جدًا تتمظهر في تعويم الجنرال وحيدي نائبًا لقائد الحرس الثوري، وهو شخصية لها تاريخ قمعي متطرّف، ومن مؤسسي فيلق القدس، وسيقوم بكل ما يلزم للحفاظ على النظام”.

