الموقوفون السنّة في لبنان بين التوقيف المفتوح والعدالة المؤجلة

ديما صلح

في لبنان، لم يعد الظلم حادثًا عارضًا ولا خللًا إداريًا يمكن تبريره بنقص الإمكانات أو بتعقيد الإجراءات. ما نشهده هو نظام متكامل لإدارة التوقيف كعقوبة سياسية مؤجَّلة، حيث تُفرَّغ العدالة من مضمونها، ويُستبدل الحكم القضائي بالانتظار المفتوح.

الأرقام الصلبة لا تترك مجالًا للإنكار: من أصل ما يقارب ٨٠٠٠ إلى ٨٥٠٠ شخص محتجزين في السجون اللبنانية، ما بين ٧٠ و٨٣ في المئة هم موقوفون بلا أحكام نهائية. أي أن الغالبية الساحقة خلف القضبان ليست مدانة، بل محتجزة بانتظار محاكمة قد تأتي أو لا تأتي.

سجن رومية: الاكتظاظ كسياسة

هذا الواقع يتجسّد بأقسى صوره في سجن رومية، أكبر السجون اللبنانية، حيث بُني ليستوعب نحو ١٢٠٠ نزيل، فيما يضم اليوم ما يقارب ٤٠٠٠ شخص، أي أكثر من ثلاثة أضعاف طاقته. الاكتظاظ هنا ليس رقمًا تقنيًا، بل دليلًا على سياسة، فالدولة تعرف أن السجون تعمل بأكثر من ٣٠٠ في المئة من قدرتها، وتعرف أن معظم الموجودين موقوفون، ومع ذلك تواصل الاحتجاز بلا حلول جذرية. الأسوأ أن أقل من ربع هؤلاء فقط صدرت بحقهم أحكام مبرمة، فيما الباقون عالقون في فراغ قضائي قاتل.

التوقيف الاحتياطي بين القانون والواقع

قانونًا، يُفترض أن يكون التوقيف الاحتياطي إجراءً استثنائيًا ومحدود الزمن. عمليًا، في لبنان، يتحوّل إلى سجن طويل الأمد بلا سقف زمني فعلي، موقوفون يمضون سنتين وثلاثًا وأربع سنوات خلف القضبان قبل أن يمثلوا أمام محكمة جدية. آلاف الملفات انتهت بإخلاءات سبيل أو إسقاط تهم أو عدم كفاية أدلة، ما يعني أن نسبة غير قليلة ممن قضوا سنوات موقوفين خرجوا أبرياء بعد أن نُفّذت العقوبة عليهم كاملة باسم (الانتظار). هنا، لا تعود البراءة إنصافًا، بل سخرية سوداء.

البعد المذهبي للتوقيف الطويل

لكن الكارثة لا تقف عند هذا الحد، فحين ننتقل من العموم إلى التفصيل، يظهر البعد الأكثر حساسية وخطورة، وهو الوجه المذهبي للتوقيف الطويل. في القضايا ذات الطابع الأمني أو السياسي، يتبيّن أن الموقوفين السنّة يشكّلون الكتلة الأكبر من الموقوفين لفترات مطوّلة بلا محاكمات منجزة. في هذه الملفات تحديدًا، تُكسر المهل القانونية بلا حرج، وتُرحَّل الجلسات بلا مبرر، وتُدار القضايا بعقل أمني لا قضائي، حيث يُفترض الاشتباه أولًا، ثم يُترك الموقوف لسنوات في السجن بانتظار أن يتذكّره النظام. في هذه الزنازين، يُحتجز الموقوف السنّي مع المحكوم، ويُعامل كمدان قبل أن يُدان، ويُترك بلا أفق زمني واضح. الدولة تعلم أن هذا النمط يتكرّر، وتعلم أن الطائفة السنية تشعر بحق أن أبناءها يدفعون ثمن توقيف مفتوح لا يُطبّق بالحدة نفسها على الجميع. الصمت الرسمي هنا ليس حيادًا، بل شراكة في ترسيخ شعور التهميش والغبن.

يُفترض أن يكون التوقيف الاحتياطي إجراءً استثنائيًا ومحدود الزمن. عمليًا، في لبنان، يتحوّل إلى سجن طويل الأمد بلا سقف زمني فعلي،

أزمة الشرعية والعدالة المحتجزة

السياسة حاضرة في كل تفصيل من هذا الملف، فالتعطيل القضائي ليس بريئًا، والإبطاء ليس عشوائيًا، والانتقائية ليست صدفة. حين يُترك موقوفون سنّة سنوات بلا حكم، فيما تُنجَز ملفات أخرى بوتيرة أسرع، فنحن أمام عدالة مختلّة في ميزانها، لا متعثّرة في أدواتها.

 وحين يُستخدم التوقيف كوسيلة ردع وضبط اجتماعي، نكون قد خرجنا من منطق الدولة إلى منطق إدارة الخوف. هذا الواقع لا يدمّر حياة الأفراد فقط، بل يهزّ العلاقة بين الطائفة السنية والدولة نفسها. آلاف العائلات تعيش على هامش الانتظار (وظائف ضاعت، بيوت تفككت، أطفال كبروا دون آبائهم، وكل ذلك باسم ملف لم يُحسم).

لا ولاء للدولة مع قوانين انتقائية

الدولة التي تطلب من مواطنيها الولاء، لا يمكنها أن تطلب الصبر على سجن بلا محاكمة. والدفاع عن الموقوفين السنّة ليس خطابًا فئويًا، بل معركة على معنى الدولة، لأن العدالة التي تُجزّأ تسقط، والقانون الذي يُطبّق بانتقائية يفقد شرعيته، والدولة التي تقبل أن يُسجن أبناؤها سنوات بلا حكم لا تعاني أزمة موارد، بل أزمة ضمير سياسي.

حين يُستخدم التوقيف كوسيلة ردع وضبط اجتماعي، نكون قد خرجنا من منطق الدولة إلى منطق إدارة الخوف

هنا لا يعود السؤال عن إصلاح إداري، بل عن الشرعية الأخلاقية لنظام يعرف حجم الظلم ويُديره.

هذا الملف هو امتحان حقيقي، فإما قضاء يعيد الاعتبار للمهل القانونية، ويُنهي التوقيف المفتوح، ويُخرج البراءة من السجن قبل فوات الأوان، وإما اعتراف صريح بأن في لبنان دولة تحكم بالسجون، وعدالة محتجزة، وطائفة سنية تُدفع إلى الهامش تحت غطاء القانون.

 وحتى يتغيّر ذلك، ستبقى الحقيقة واضحة لا تحتاج إلى خطابات: العدالة في لبنان ليست فقط متعثّرة… إنها مسجونة، والموقوفون السنّة هم الدليل الأوضح على ذلك.

السابق
حفاظاً على اليد العاملة اللبنانية.. الاتحاد العمالي يحذر من تشغيل الأجانب بصورة غير قانونية
التالي
بعد تقارير عن مقتل 8 أشخاص.. الأمم المتحدة تطالب إيران بعدم استخدام العنف ضد المتظاهرين