ملف واحد من بيروت إلى طهران: سلاح «حزب الله» على طاولة القرار الدولي

لبنان وايران

يفصل لبنان أسبوع عن بدء مرحلة جديدة من التعامل مع ملف سلاح “حزب الله” ، وسط مؤشرات الى ان فترة السماح للمقاربة اللبنانية لهذا الملف، سينطلق العد العكسي لها بدءا من الأسبوع الأول من السنة الجديدة. ويتصدر الاهتمام على هذا الصعيد،  اللقاء الذي سيعقده الرئيس الأميركي دونالد ترامب في نهاية الشهر الجاري مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو  ،والذي سيكون في جدوله ملف الحزب وسلاحه. 

كيف تبدو الاتجاهات السائدة لمصير سلاح “حزب الله” الذي يمثل مسرح المواجهة ، ليس على المستوى اللبناني وانما أيضا على المستوى الإقليمي باعتباره احد عناصر الاشتباك الإسرائيلي -الإيراني ، وتقف الولايات المتحدة حياله الى جانب إسرائيل في نهاية المطاف.

العدّ العكسي لمرحلة جديدة

بداية، ذهب أخيرا وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي في تصريحات لافتة  حول ملف سلاح “حزب الله”، بصيغة تتجاوز الدعوة إلى نزع السلاح، وصولًا إلى المطالبة بتفكيك الجناحيّن العسكري والأمني للحزب. وشدد في مقابلة مع معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، على أن “نزع سلاح “حزب الله “بات ضرورة وطنية وسيادية”، معتبرًا أن أمن لبنان “لن يتحقق فقط عبر نزع السلاح، بل من خلال تفكيك كامل للجناحيّن العسكري والأمني”، مضيفًا أن وجود “منظمة مسلحة غير شرعية” لم يعد مقبولًا، وأن هذا المطلب “يعكس إرادة الشعب اللبناني”.

أول اختبار للموقف الرسمي

يمثل موقف وزير الخارجية اللبناني اول اختبار للموقف الرسمي الذي سيتم تظهيره عندما يجتمع مجلس الوزراء الشهر المقبل للاطلاع على تقرير قيادة الجيش بشأن خطة نزع السلاح جنوب نهر الليطاني ،ومصير المناطق الأخرى التي لا يزال الحزب يمتلك فيها السلاح. وبحسب تصريحات لرئيس الحكومة نواف سلام والتي اعادها للواجهة وزير الخارجية في تصريحاته الأخيرة ، يتبيّن ان الخطوة التالية بعد جنوب الليطاني وفق خطة الجيش اللبناني ستكون بين نهريّ الليطاني والاولي شمال صيدا. ويقول الوزير رجي في هذا الصدد انه سيتم نزع السلاح في المنطقة الجديدة على غرار ما هو حصل جنوب الليطاني.

حذر قيادة الجيش

 غير ان قائد الجيش العماد رودولف هيكل ، وفي كلمة له قبل يوميّن في اجتماع استثنائي في اليرزة ، حضره أركان القيادة وقادة الوحدات والأفواج العملانية، وعدد من الضباط، أشار إلى “أن الجيش في صدد الانتهاء من المرحلة الأولى من خطته، وأنه يُجري التقييم والدراسة والتخطيط بكلّ دقة وتأنٍّ للمراحل اللاحقة، ويأخذ مختلف المعطيات والظروف في الحسبان”. وبدا موقف قائد الجيش حذرا في الكلام عن المرحلة التالية من خطة حصر السلاح بعد جنوب الليطاني.

ريبة إعلام الحزب وتوتر الساحة

ولاقت وسائل إعلامية تابعة ل”حزب الله” هذا التطور في الموقف الرسمي من سلاحه بريبة. وتحت عنوان “من يُحرِج الجيش بـ”فخّ” شمال الليطاني؟” كتبت صحيفة الاخبار اليوم:” طُرح تساؤل في الأيام الماضية حول موقف رئيس الجمهورية جوزيف عون من تصريحات رئيس الحكومة، وما إذا كان موافقاً على الانتقال إلى المرحلة الثانية أو ما يُسمى “حصرية السلاح في منطقة شمال الليطاني”، خصوصاً أن عون لطالما حافظ على مسافة حذر من أيّ خطوة قد تؤدّي إلى صدام داخلي.

وكشفت مصادر متابعة لـ”الأخبار” أن “عون يتفق تماماً مع ما أعلنه سلام، وهو على اطّلاع كامل على كل ما يتم التحضير له، بل هو في صلب هذا التحرّك.

وقد أوفد عون قبل حوالي أسبوعين مستشاره أندريه رحال إلى باريس للقاء الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان للتنسيق بشأن ملفات عدة، من بينها ملف السلاح في شمال النهر.

واعتبرت المصادر أن “الفصل بين مواقف سلام وعون غير منطقي ولا واقعي. فكلاهما ينتميان إلى المشروع ذاته، ويطبّقان المهمة نفسها، وينفّذان التعهدات نفسها التي دائماً ما يذكّر بها الموفدون الأميركيون والغربيون والعرب، وتتحدّث عنها إسرائيل استناداً إلى قرارات الحكومة في جلسة 5 آب الماضي.

ولكن، ما هو أكيد أن الساعات الماضية بدأت تشهد توتراً في الساحة السياسية، خصوصاً أن ما أُعلن عنه وضع الجيش في موقف مُحرِج، إذ سيكون مضطراً إلى تنفيذ القرار السياسي، بينما يبحث عن سبل لتفادي المواجهة مع المقاومة التي لا تزال تؤكّد أنها ليست في صدد تسليم السلاح في شمال الليطاني، وقد أبلغت أخيراً المعنيين بذلك”.

“الفصل بين مواقف سلام وعون غير منطقي ولا واقعي. فكلاهما ينتميان إلى المشروع ذاته، ويطبّقان المهمة نفسها، وينفّذان التعهدات نفسها التي دائماً ما يذكّر بها الموفدون الأميركيون والغربيون والعرب

البعد الإسرائيلي – الإيراني للمواجهة

ان ما يتعلق بالمشهد الداخلي من  ملف سلاح “حزب الله”، هو جزء من صورة أشمل. ويمثل الجزء الإسرائيلي من هذه الصورة الأهم ،باعتباره يتصل بقرار الحرب التي شنتها الدولة العبرية ولا تزال من أجل تصفية “حزب الله” في العام الماضي، والتي باتت مرشحة لعام ثالث . وجاء في تقرير صادر حديثا معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي: “شهدت الحرب التي استمرت 12 يوما بين إيران وإسرائيل في حزيران 2025 أشد تصعيد حتى الآن في المواجهة المستمرة بين الدولتين. على الرغم من قصر مدتها نسبيا، كان للحرب تأثير زعزع استقرار على الجمهورية الإسلامية بسبب نجاح الضربة الافتتاحية لإسرائيل، وقرار الولايات المتحدة الانضمام إلى الحملة، والأضرار التي لحقت بالأنظمة الاستراتيجية الحيوية لإيران-لا سيما برنامجها النووي وترسانتها الصاروخية بعيدة المدى.

انهيار الحرب بالوكالة

من المرجح أن تترك هذه الحرب الأخيرة أثرا دائما على الموقف العسكري الأمني الإيراني، وكذلك على الساحات السياسية والإقليمية والداخلية لها. فعلى الساحة الإقليمية، سلطت الحرب الضوء أكثر على انهيار مفهوم الوكالة، الذي أصبحت حدوده واضحة بشكل متزايد حتى قبل الصراع-خصوصا بعد هزيمة “حزب الله” في صيف 2024 ، وسقوط نظام الأسد في سوريا. إن رفض عناصر رئيسية من “محور المقاومة” الذي يقوده إيران، وخاصة “حزب الله”، الانضمام إلى الحرب إلى جانب إيران، زاد من شكوك طهران حول فعالية استراتيجيتها بالوكالة. ومع ذلك، تشير تصريحات كبار المسؤولين الإيرانيين -إلى جانب جهود إيران المستمرة لدعم ومساعدة المحور الموالي لإيران، بما في ذلك من خلال نقل الأسلحة – بوضوح إلى أن طهران لا تنوي التخلي عن شركائها لصالح استراتيجية إقليمية جديدة. علاوة على ذلك، تواصل إيران التأكيد على ضرورة الحفاظ على القدرات العسكرية للمحور ومعارضة أي محاولة لنزع سلاح الميليشيات الشيعية، وخاصة “حزب الله”.

إن رفض عناصر رئيسية من “محور المقاومة” الذي يقوده إيران، وخاصة “حزب الله”، الانضمام إلى الحرب إلى جانب إيران، زاد من شكوك طهران حول فعالية استراتيجيتها بالوكالة.

التمويل، السلاح، واحتمالات المواجهة المقبلة

وفي هذا السياق ، وتحت عنوان “طهران غير مستعدة لحرب الآن” كتب يوآف زيتون امس في صحيفة يديعوت أحرونوت :”هجمة التسريبات والإحاطات الصحافية التي تخرج من إسرائيل في الآونة الأخيرة عن توتر متزايد مع إيران وعن أسباب المضي بجولة أخرى ضد طهران، ستشتد في الأيام القريبة القادمة – حتى لقاء نتنياهو مع ترامب في واشنطن في نهاية الشهر. وقد تخلق أثراً ربما يؤدي إلى تدهور أمني حقيقي بسبب سوء فهم مع الإيرانيين. سوء فهم يشعل حرباً شاملة أخرى، لا يرغب فيها أي طرف الآن. هذا وحذرت مصادر رفيعة المستوى في الجيش الإسرائيلي هذه السنة غير مرة، وأساساً في فترة ما بعد حملة “الأسد الصاعد” في حزيران، من أن خطأ في السلوك مع الإيرانيين قد يكون المحفز الأساس لإشعال النار بين الطرفين – وليس نية حقيقية من إسرائيل أو من إيران.

ثمة مسألة أخرى لم تحل بعد نهائياً في أسرة الاستخبارات، وهي تتعلق بمسألة انضمام “حزب الله”. هل سينضم الجيش الشيعي هذه المرة فيهاجم إسرائيل من الشمال بالتوازي، أم أن إيران قد تنضم إلى حملة قد يشنها الجيش الإسرائيلي ضد “حزب الله”؟

في موازاة ذلك،  إشتكى  “حزب الله”  من  نقص في تحويل الأموال من إيران إليه ، حسبما أفادت وكالة KAN يوم الاثنين الماضي. ففي الأشهر القليلة الماضية، ناقش كبار شخصيات في “حزب الله” و”فيلق القدس” الإيراني مقدار الموارد المالية التي ستخصصها طهران للحزب هذا العام. وطلب “حزب الله” 2 مليار دولار، وهو ضعف المبلغ الذي كانت إيران تخطط لتقديمه ل”حزب الله”، حسبما أفادت وكالة كان.

وبما أن الحرب مع إسرائيل أسفرت عن خسائر وانخفاض كبير في الأسلحة التي تراكمت على مدى عقديّن في فترة قصيرة، فقد طالب “حزب الله” بالمزيد من التمويل من إيران لأن إعادة بناء تلك القدرات تتطلب موارد مالية هائلة، حسبما أفادت وكالة KAN.

هل سينضم الجيش الشيعي هذه المرة فيهاجم إسرائيل من الشمال بالتوازي، أم أن إيران قد تنضم إلى حملة قد يشنها الجيش الإسرائيلي ضد “حزب الله”؟

الدعم الاميركي لاسرائيل مستمر

وفي السياق نفسه، أثار السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، تساؤلات عما إذا كان يلمح بأن واشنطن قد تدعم عملية عسكرية إسرائيلية جديدة ضد إيران.ففي مقابلة في مؤتمر نظمه معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي ردا  السفير الأميركي على سؤال  حول ما إذا قررت إسرائيل أن هناك حاجة إلى مزيد من العمل العسكري لمنع إيران من تجاوز عتبتي امتلاك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية، قال :” لا أعتقد أن إيران أخذت الرئيس ترامب على محمل الجد حتى الليلة التي حلّقت فيها قاذفات بي-2 فوق فوردو”.

وأضاف: “آمل أن يكونوا قد فهموا الرسالة، ولكن يبدو أنهم لم يفهموها بالكامل، إذ يبدو أنهم يحاولون إعادة تنظيم صفوفهم وإيجاد طريقة جديدة لتعميق الدفاع  وتأمينه بشكل أكبر”.

وتساءلت القناة الإخبارية 12 الإسرائيلية عما اذا  كانت تصريحات هاكابي هي بمثابة تلميح بالموافقة على الطلب الإسرائيلي.

والخلاصة هي ان الحديث بدأ في هذا التقرير عن ملف سلاح “حزب الله”، وانتهى الى الحديث الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية في ايران. ويرى مراقبون ان الحاجة ماسة الى التعامل مع سلاح “حزب الله” وسلاح النظام الإيراني على انهما ملف واحد . وسيكون من قبيل الافراط بالتفاؤل الكلام عن الفصل بينهما.  وتبعا لذلك، سيكون مطلع العام الجديد بداية مرحلة التعامل الموحد بين سلاح “حزب الله” والنووي والباليستي الإيراني. كما سيكون احتمال التعامل بالقوة من جانب إسرائيل والولايات المتحدة واطرف أخرى خارجية واردا  في أي وقت من الاوقات.

السابق
السفير الاسعد يضع اكليلاً من الزهور على ضريح المناضل الراحل السيد هاني فحص
التالي
السلام مع لبنان وتفكيك سلاح الحزب: شروط نتنياهو على طاولة ترامب