استعلاء خطاب حزب الله.. من التمثيل إلى الوصاية: كيف صُنعت المسافة بين القائد وجمهوره

حزب الله

منذ تولّي الأمين العام الأسبق لحزب الله، السيّد حسن نصرالله، موقع الأمانة العامّة، تشكّلت علاقة غير متكافئة بين القائد وجمهوره. فعلى الرغم من العبارات التي خاطب بها أنصاره، من قبيل «يا أشرف الناس» عام 2006، و«أهل المقاومة» بعد تحرير عام 2000، لم تُنتج هذه اللغة شعورًا بالمساواة أو التمثيل، بقدر ما ساهمت في تكريس مسافة رمزيّة بين القائد وجمهوره المتنوّع اجتماعيًا، من فقراء ونخب وعامّة الناس.

بعد تحرير عام 2000، حمل خطاب نصرالله نزعة استعلائيّة واضحة، ظهرت في استخدام متكرّر لعبارات مثل: «أنا مكلّف من الله»، «لو كنت أعلم»، «لو اضطرّني الأمر سأذهب وأقاتل شخصيًا». هذا التضخّم في الأنا الخطابيّة جعل القائد مركزًا مطلقًا للمعنى، وكرّس موقعه كوصيّ لا كممثّل، ما أضعف فكرة المحاسبة داخل البيئة الحاضنة.

الأنا الكاريزماتيّة وتعطيل التفكير النقدي داخل البيئة الحاضنة

ساهم هذا الخطاب في تعطيل التفكير النقدي لدى جمهور الحزب، فباتت الأسئلة تُواجَه بجُمل جاهزة من قبيل: «أنت بتفهم أكتر من السيّد؟» أو «بكرا السيّد بيطلع وبيشرح كل شي». هكذا، تخلّى الجمهور، المؤيّد أو المنخرط تنظيميًا، عن حقّه في الشكّ والتساؤل، واستبدله بتفويض مطلق لشخص القائد، وقد تجلّى ذلك بوضوح في مظاهر الحزن الجماعي التي رافق إعلان اغتيال نصرالله، حيث توحّد العقل الجمعي داخل الحزب ليكتب نهاية الاسطورة.

تقوم عقيدة الحزب على تقديس القادة الروحيين ـ السياسيين، فالمبادىء والافكار قابلة للاستبدال وفق مصلحة القيادة، وهو ما سهّل على الحزب طوال عقود، توظيف صور قادته ورموزه، من عماد مغنية إلى مصطفى بدر الدين، لبناء خطاب رومنطيقي تعبوي يُعلي القائد فوق جمهوره.

محاولات قاسم لبناء هويّة خطابيّة خاصّة تصطدم بالاستعانة الدائمة بصورة نصرالله

الخطاب الشعبوي وسقوط السياسة أمام القداسة

يمكن ملاحظة أنّ الكاريزما الخطابيّة لنصرالله صُنعت خلال فترة محدّدة، بين عامي 2000 و2006، بدعم مباشر من جهاز البروتوكول الإيراني، وهي مرحلة نضوج البنية العقائديّة للحزب. بعد ذلك، بدأ الخطاب يفقد قدرته على التجديد، ويتحوّل إلى اجترار لعبارة واحدة: «إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت ».

خلال حرب سوريا وحرب الإسناد، بات نصرالله يطلّ على جمهوره بخطابات مكرورة، تُتابَع في الشارع الجنوبي بوصفها واجبًا أخلاقيًا ودينيًا لا فعل اقتناع سياسي حيّ، حيث يشاهدها الحلّاق وصاحب المقهى واللحّام من باب الطاعة، لا من باب المشاركة.

حين انهارت السرديّة: اللغة التي خذلت صاحبها

وصل خطاب نصرالله إلى طريق مسدود مع اغتيال فؤاد شكر، رئيس أركان حزب الله. فالرجل الذي تحدّث عام 2019 عن قدرات خارقة وخرائط تُمحى بلمسة، أصبح أسير سرديّة تتهاوى أمام اختراقات أمنيّة واغتيالات منهجيّة لقادة الصفّ الأوّل. هنا، خانته اللغة قبل أن يخونه العملاء المتغلغلون داخل بيئته.

ما بعد نصرالله: جمهور يتيم وخطاب بلا شرعيّة

في عهد الشيخ نعيم قاسم، يظهر جمهور الحزب كجسم يتيم فقد أباه. على وسائل التواصل الاجتماعي، تطغى إعادة تدوير خطابات نصرالله واقتباساته على كلمات قاسم، التي يتلقّاها الجمهور بفتور صامت. محاولات قاسم لبناء هويّة خطابيّة خاصّة تصطدم بالاستعانة الدائمة بصورة نصرالله، ما يعكس خطاب «كسب وقت» أكثر منه مشروعًا سياسيًا جديدًا.

لم يكن جمهور حزب الله يومًا شريكًا في كتابة الخطاب، سواء في زمن نصرالله أو في زمن قاسم. والسؤال المطروح اليوم: هل سيتمرّد هذا الجمهور على استعلاء قيادته، خصوصًا بعد الهزائم، أم سيزداد تشتّتًا بفعل الصراعات الداخليّة والتصدّعات القياديّة؟

سؤال مفتوح، في زمن لم تعد فيه اللغة قادرة وحدها على إنتاج الهيبة أو ستر الانكسار.

السابق
هل من كيانية لبنانية؟
التالي
«عام من عمر العهد»… حصيلة السيادة والإصلاح في لقاء سياسي افتراضي