في الناقورة، وعلى إيقاع توازن هشّ جنوبًا، انعقد الاجتماع الخامس عشر لأعضاء اللجنة التقنية العسكرية للبنان، المعروفة بـ«الميكانيزم»، في محطة إضافية من مسار دولي يسعى إلى إدارة النزاع اللبناني–الإسرائيلي أكثر مما يسعى إلى حلّه.
الاجتماع، الذي عقد اليوم الجمعة، جاء استكمالًا لسلسلة لقاءات دورية تهدف، وفق البيان الأميركي، إلى «دعم الاستقرار والتوصّل إلى وقف دائم للأعمال العدائية»، في صيغة تعكس مقاربة جديدة، اساسها أمن مضبوط مقابل اقتصاد قابل للحياة.
تعزيز الجيش اللبناني: ركيزة الاستقرار أم شرط سياسي؟
الشقّ العسكري من الاجتماع ركّز على عرض آخر المستجدات العملياتية، مع إجماع المشاركين على أن تعزيز قدرات الجيش اللبناني في جنوب الليطاني يشكّل الضمانة الأساسية للأمن.
هذا الإجماع لا يمكن قراءته بمعزل عن التحوّل التدريجي في المقاربة الدولية للجنوب، حيث لم يعد الاكتفاء بآليات الفصل والمراقبة كافيًا، بل بات المطلوب تثبيت واقع أمني تقوده المؤسسة العسكرية اللبنانية، بما ينسجم مع مندرجات القرار 1701 ولكن بروحية تنفيذية أكثر صرامة.
غير أن هذا الطرح يطرح سؤالًا جوهريًا:
هل يُراد للجيش أن يكون بديلًا سياديًا كاملًا عن كل مظاهر السلاح غير الشرعي، أم مجرد عنصر ضبط مرحلي يمنع الانفجار الكبير؟
المسار الاقتصادي: عودة السكان قبل عودة السياسة
في موازاة النقاش الأمني، حضر المسار المدني–الاقتصادي بقوة. المشاركون شددوا على ضرورة تهيئة الظروف للعودة الآمنة للسكان، وتسريع إعادة الإعمار، ومعالجة الأولويات الاقتصادية، في اعتراف واضح بأن الاستقرار الأمني من دون أفق معيشي سيبقى هشًا وقابلًا للانهيار.
لكن اللافت أن البيان ربط صراحةً بين التقدّم الاقتصادي والتقدّم السياسي، ما يعكس توجّهًا دوليًا لإدخال الجنوب في معادلة جديدة هي، الهدوء مقابل الاستثمار، والاستقرار مقابل إعادة الإعمار، لا بوصفها حقوقًا مكتسبة بل كعناصر مشروطة بسلوك سياسي وأمني منضبط.
من الاشتباك إلى إدارة النزاع
لا يوحي اجتماع «الميكانيزم» بقرب تسوية سياسية شاملة بين لبنان وإسرائيل، لكنه يشير بوضوح إلى انتقال العلاقة من مرحلة الاشتباك المفتوح إلى مرحلة إدارة النزاع طويلة الأمد.
فلا حديث عن تطبيع، ولا عن مفاوضات مباشرة، لكن هناك اعتراف متبادل – ولو غير مباشر – بأن الانفجار الشامل لم يعد خيارًا مقبولًا، وأن البديل هو مسار تقني–أمني ترعاه الولايات المتحدة وتواكبه الأمم المتحدة.
في هذا السياق، يصبح «الميكانيزم» أشبه بغرفة تحكّم تمنع الانزلاق إلى الحرب، من دون أن تفتح باب السلام.
إلى أين في 2026؟
اختُتم الاجتماع بالتطلع إلى الجولة المقبلة المقررة في العام 2026، وهو تاريخ ليس تفصيليًا، بل يعكس رهانًا على إدارة زمن الانتظار، انتظار ما ستؤول إليه التوازنات الإقليمية، وانتظار شكل الدولة اللبنانية وقدرتها على الإمساك بقرارها السيادي، وانتظار ما إذا كان الجنوب سيتحوّل إلى نموذج استقرار مشروط أم إلى ساحة مؤجلة لانفجار أكبر.
في المحصلة، يؤكد اجتماع «الميكانيزم» أن مستقبل العلاقات اللبنانية–الإسرائيلية لن يُحسم في السياسة وحدها، ولا في الميدان وحده، بل في المنطقة الرمادية بين الأمن والاقتصاد، حيث تُدار النزاعات حين يتعذّر حلّها.

