زيارة عراقجي: لتفعيل العلاقات مع لبنان..ورسم قيادة جديدة لـ«حزب الله»

عباس عراقجي

في الظاهر، تبدو زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي المرتقبة إلى بيروت خطوة دبلوماسية عادية، جاءت استجابة لدعوة رسمية لبنانية، وفي سياق الحديث عن “فتح فصل جديد” في العلاقات الثنائية. لكن ما يتسرّب من كواليس دبلوماسية لبنانية رفيعة المستوى يشي بأنّ ما هو أبعد بكثير من تبادل مجاملات أو تصويب سوء تفاهم بروتوكولي حول مكان اللقاء مع نظيره اللبناني يوسف رجي.

بحسب هذه المصادر، فإنّ عراقجي لا يأتي إلى بيروت بصفته وزير خارجية فحسب، بل موفدًا سياسيًا – أمنيًا يحمل تفويضًا من دوائر القرار في طهران، وعلى رأسها الحرس الثوري، لرصد المزاج الداخلي داخل «حزب الله»، وتقييم أدائه القيادي والتنظيمي في مرحلة تُعدّ من الأكثر حساسية في تاريخه الحديث.

وكانت أبدت مصادر في وزارة الخارجية اللبنانية لـ “النهار”، استغرابها من الضجة الإعلامية والتحليلات السارية في بعض الاوساط حول تأخر وزارة الخارجية بإعطاء موافقتها على طلب اعتماد السفير الإيراني الجديد في لبنان. 

واكدت المصادر ان ترشيح السفير الإيراني الجديد هو قيد الإجراء وفقا لما تقتضيه الاصول الدبلوماسية المعمول بها.

ما بعد نصرالله… أزمة قيادة؟

منذ اغتيال حسن نصرالله، يعيش الحزب مرحلة انتقالية صعبة. فالرجل لم يكن مجرّد أمين عام، بل كان نقطة ارتكاز كاريزمية وتنظيمية وعقائدية. وتشير المعطيات المتداولة إلى أنّ القيادة الحالية، وعلى رأسها نعيم قاسم، لم تنجح في ملء هذا الفراغ، لا على مستوى إدارة التوازنات الداخلية، ولا في مقاربة التحديات الإقليمية المتسارعة.

وتذهب المصادر إلى حدّ القول إنّ طهران باتت تعتبر أنّ نعيم قاسم “غير مناسب” لقيادة الحزب في هذه المرحلة المعقّدة، وأنّ أداءه لا يرقى إلى مستوى إدارة تداعيات الحرب الإقليمية المفتوحة، ولا إلى متطلبات إعادة التموضع السياسي والعسكري للحزب داخل لبنان وخارجه.

مهمة عراقجي: جسّ نبض لا إعلان قرارات

في هذا السياق، تكتسب لقاءات عراقجي المرتقبة مع قيادات «حزب الله» أهمية استثنائية. فالمطلوب منه ليس إعلان تغييرات، بل نقل صورة دقيقة عن تماسك الحزب، حجم الاعتراضات الداخلية، ميزان القوى بين أجنحته، وإمكان تمرير أي تعديل قيادي من دون اهتزازات كبرى.

بعبارة أخرى، عراقجي يأتي ليستمع أكثر مما يتكلم، ويعود إلى طهران بتقرير يُبنى عليه القرار: هل حان وقت “إعادة ترتيب البيت الداخلي”، أم أنّ الظروف اللبنانية والإقليمية لا تحتمل صدمة من هذا النوع؟

توتر دبلوماسي… ورسائل سيادة

على الضفة اللبنانية، لا يمكن فصل هذه التطورات عن موقف وزير الخارجية يوسف رجي، الذي رفض زيارة طهران، مفضّلًا لقاءً في دولة ثالثة “محايدة”. هذا الرفض، وإن صيغ بلغة دبلوماسية، حمل رسالة سياسية واضحة: لبنان الرسمي يريد إعادة ضبط العلاقة مع إيران على قاعدة السيادة وعدم التدخل، في إشارة مباشرة إلى دور «حزب الله».

ردّ عراقجي العلني، الذي عبّر فيه عن “دهشته” من الموقف اللبناني، عكس بدوره حساسية إيرانية متزايدة تجاه أي محاولة لبنانية لفصل الدولة عن الحزب، أو لإعادة تعريف العلاقة مع طهران خارج القناة التقليدية التي شكّلها «حزب الله» لعقود.

إلى أين يتجه المشهد؟

ما بين الضجة الإعلامية حول السفير الإيراني الجديد، وتأكيد الخارجية اللبنانية أنّ الأمور تسير وفق الأصول، يبدو أنّ بيروت تحاول ضبط الإيقاع ومنع تفجير سياسي إضافي. لكن الأكيد أنّ زيارة عراقجي، إن حصلت، لن تكون عادية.

هي زيارة اختبار: لقيادة «حزب الله»، ولقدرة إيران على إدارة مرحلة ما بعد نصرالله، ولحدود ما يمكن أن يقبله لبنان الرسمي من تدخلات تحت عنوان “العلاقات الأخوية”.

والسؤال الأبرز يبقى: هل نحن أمام تعديل تكتيكي في قيادة الحزب، أم أمام بداية تحوّل استراتيجي أعمق، فرضته الحرب، والضغوط الدولية، وتغيّر موازين القوة في الإقليم؟ الأيام التي تلي زيارة عراقجي وحدها كفيلة بالإجابة.

السابق
جمعية المصارف تحذّر من «الانتظام المالي»: مشروع يُهدّد القطاع ويُفاقم الركود
التالي
حين وقف السوري احمد الأحمد بين اليهود ورصاص الارهابيين..سقطت كل الروايات!