منبر «قصر الحازمية» يكشف مأزق الشيخ الخطيب ومجلس الطائفة الشيعية!

من على منبر قصر الحازمية، الذي يفترض أن يكون منارةً للوحدة الوطنية والاجتماعية للطائفة الشيعية في لبنان، أطلّ نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الشيخ علي الخطيب، في مقابلة تلفزيونية حملت في طياتها أكثر مما كشفت، مظهرة حالة من التشتت والإرباك العميقين في الموقف السياسي والرؤية للطائفة.

لم تكن المقابلة مع الإعلامية سمر بو خليل مجرد حوار عابر، بل كانت اختبارًا لموقع رفيع يُفترض به أن يشغل كرسي الإمام المغيب السيد موسى الصدر. لكن ما ظهر على الشاشة كان شخصية مترددة ومتلعثمة، أسيرة لغة الماضي وخطابه، عاجزة عن تقديم أي رؤية تواكب المرحلة الجديدة أو تفتح آفاقًا للمستقبل. ورغم محاولة مقدمة البرنامج مساعدته لتقديم موقف يثري الحلقة ويليق بمقام المكان، أصرّ الخطيب على تكرار سمفونيته المعتادة ونسج روايات لا تغني ولا تسمن، بل تزيد من عزلته وانعزال المؤسسة.

السمفونية التي أعاد الشيخ الخطيب عزفها على مسامع المشاهدين تمثلت في مقولة “وينية الدولة؟”، تساؤل يُرفع باستمرار ليصبح الشماعة التي يُعلّق عليها وجود السلاح بيد حزب الله وتعميم الفوضى. ينفي الشيخ الخطيب وجود دولة أساسًا، ثم يطالب من هذه “اللا دولة” بالحماية والإعمار، وهو تناقض صارخ يكشف عن عمق المأزق الفكري والسياسي الذي يواجهه هو والمؤسسة التي يمثلها.

الحديث عن مظلومية الطائفة واضطهادها يعد إنكارًا لتاريخ السيطرة على مفاصل الدولة

إن الحديث عن مظلومية الطائفة واضطهادها، رغم أن الثنائي (حزب الله وحركة أمل) قد حكم البلد عمليًا على مدى الوصاية السورية وما تلاها، يعد إنكارًا لتاريخ السيطرة على مفاصل الدولة، وهو خطاب تعبوي يضع الطائفة في خانة “الضحية الأبدية” لتبرير الحاجة إلى “الحامي” المسلّح.

الأكثر خطورة كان تحوّل نائب رئيس المجلس الشيعي الأعلى إلى مهاجم للدولة ورئيس حكومتها، القاضي نواف سلام، ودعوته له بـ”تصحيح مواقفه لأنها تصب في صالح العدو”. هذا الموقف لا يندرج في إطار النقد السياسي المشروع، بل يضع نفسه والمجلس في مواجهة مع جزء كبير من الشارع اللبناني.

كشفت إطلالة الشيخ الخطيب عن عقم في رأس الطائفة وغياب مؤسف للرؤية المستقبلية والمشروع الجامع الذي يليق برئاسة المجلس

هذا الانزلاق نحو لغة التخوين ليس غريبًا عن الخطاب الشعبوي لحزب الله، لكنه يصبح كارثيًا عندما يصدر عن شخصية يفترض بها تمثيل رأس طائفة غنية بالقامات الوطنية والمثقفين ورجالات الدولة. لقد كاد رئيس الطائفة أن يتحوّل إلى ناشط حزبي في حدّة لغة “الولاء”، بدل التمسك بلغة الوحدة الوطنية والجامعة التي تليق بكرسي المجلس، ما يؤكد أن المؤسسة الدينية العليا للطائفة باتت للأسف أداة لخدمة الرواية التعبوية لجماعة مسلحة.

في المحصلة، كشفت إطلالة الشيخ الخطيب عن عقم في رأس الطائفة وغياب مؤسف للرؤية المستقبلية والمشروع الجامع الذي يليق برئاسة المجلس. بدلاً من أن يكون صوتًا للوحدة الوطنية والحكمة، ومدافعًا عن سيادة الدولة، اكتفى بترديد الشعارات التعبوية التي يطلقها الحزب في أوقات الأزمات.

المجلس الشيعي الأعلى تأسس ليكون مظلةً وطنية جامعة، تُعنى بشؤون الطائفة وتعمل على دمجها في النسيج اللبناني الكامل، بعيدًا عن الاستقطاب السياسي الضيق أو الولاءات العابرة للحدود. لكن ما ظهر هو ابتعاد واضح عن هذه الأهداف التأسيسية النبيلة، حيث أصبح خطاب المؤسسة الدينية مرتهنًا لمشروع حزب الله ويبرر خطابه ويخوّن من يقف في وجهه.

يصر القيادي الديني الأرفع في الطائفة على تكرار الأسباب القديمة لغياب الدولة، متجاهلًا الآثار المدمرة لوجودها أو غيابها

باختصار، أظهرت مقابلة الخطيب على قناة “الجديد” فراغًا وانفصالًا مؤلمًا عن الواقع، إذ يصر القيادي الديني الأرفع في الطائفة على تكرار الأسباب القديمة لغياب الدولة، متجاهلًا الآثار المدمرة لوجودها أو غيابها، ومغرقًا في خطاب المظلومية بدل طرح مشاريع إنقاذ وطني حقيقي ورؤية تفتح آفاقًا لأبناء الطائفة المثقلين بآثار الحرب والإسناد.

السابق
بالصورة: رحلة مدنية متجهة إلى إسرائيل تعبر الأجواء اللبنانية بسبب الطقس
التالي
منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية: حركة التجارة العالمية للعام 2025 تسجل مستوى قياسياً إستثنائياً