هل التعصّب المذهبي خيار نجاة… أم وصفة سقوط للمرحلة المقبلة؟

في زمن تتبدّل فيه التحالفات وتضيع فيه البوصلة الوطنيّة، يطلّ البعض بمحاولة إحياء التعصّب المذهبي كأنّه خشبة خلاص للمرحلة المقبلة، وكأنّ اللبناني محكوم أن يبقى رهينة انتماء ضيّق لا يتجاوز حدود الطائفة. لكن الحقيقة المرّة أنّ هذا الخطاب ليس سوى هروب من مواجهة الأزمة الحقيقيّة: أزمة دولة تُنهب، مؤسّسات تُعطّل، وناس تُدفع كل يوم إلى اليأس.

التعصّب المذهبي ليس خيار نجاة، بل أداة قديمة يعاد تدويرها كلما عجزت القوى المستفيدة عن تقديم مشروع وطني أو رؤية إصلاحيّة. يحاولون إقناع بيئتهم بأن الصراع هو صراع هويّات، بينما الصراع الفعلي هو صراع على السلطة، النفوذ، والمكاسب. ماذا يجني المواطن حين يُدفع للدفاع عن مذهب لا يدافع عنه أحد في الحقوق، في الخدمات، في العدالة؟ ماذا يجني حين يرفع شعارات لا تطعمه خبزاً ولا تعالج أوجاعه؟

المرحلة المقبلة ليست بحاجة لعصبيّات، بل لوعي سياسي يواجه المنظومة بجرأتها، ويكشف من يحاول إغراق الناس بخوف مصطنع ليغطي فشله. الشيعي، كما السني والمسيحي والدرزي، يريد دولة تحميه، لا زعماء يعزلونه. يريد مؤسّسات، لا خطوط تماس فكريّة تعيده ثلاثين سنة إلى الوراء.

من يطرح التعصّب كحلّ، يعلن إفلاسه. ومن يروّج له، يهرب من مسؤوليته. أمّا خلاص لبنان الحقيقي فلن يأتي إلا من كسر هذا القيد، ومن بناء وعي يرفض تحويل الطوائف إلى متاريس جديدة على أبواب الانهيار الشامل.

السابق
توماس بارّاك يحرّك الملف اللبناني..والهيبة سقطت على مشارف كسر سلاح الحزب
التالي
لودريان يواصل جولته في بيروت: لقاءات مع عون وبري وهيكل ودعم فرنسي للجيش