ما أشبه اليوم بالبارحة، و”البارحة” هذه تعود إلى قرن ونيف من الزمان أي إلى العام 1920، عندما انعقد مؤتمر سان ريمو للدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى الذي أقرّ وضع لبنان تحت الانتداب الفرنسي من ضمن ترتيبات اتفاقية سايكس – بيكو ومعاهدة سيفر لتقسيم تركة الدولة العثمانية التي خرجت مهزومة بنهاية الحرب عام 1918.
قبل هذا المؤتمر بحوالي 40 يوماً كانت سوريا قد أعلنت استقلالها يوم 8 آذار تحت قيادة فيصل الذي سُمّي ملكاً عليها، وهو الإعلان الذي رأى فيه العروبيون في لبنان والمنطقة – وبغالبيتهم الإسلامية بطبيعة الحال – تحقيقاً لحلمهم القومي العربي، في الوقت الذي كان المسيحيون في لبنان بقيادة البطريرك إلياس الحويك يدعون ويسعون لاستقلال لبنان.
مؤتمر وادي الحجير: ذروة الرفض الجنوبي للاستقلال اللبناني
في 24 نيسان من ذلك العام وبالتزامن مع انعقاد مؤتمر سان ريمو، عُقد مؤتمر في وادي الحجير بجنوب لبنان حضره المئات من وجهاء وعلماء وفعاليات الشيعة في جبل عامل بقيادة السيد عبد الحسين شرف الدين والزعيم كامل الأسعد، كما حضره قادة الثوار ضد الفرنسيين آنذاك أدهم خنجر وصادق حمزة وغيرهم، حيث أكّد المؤتمر على الوحدة العربية ومبايعة فيصل ملكاً على سوريا ورفض استقلال لبنان وسلخه عن سوريا، وذلك عبر إطلاق المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي.
اندلاع أحداث عين إبل – حانين وتدخّل فرنسا
في 5 أيار وقعت أعمال عنف بين بلدتي عين إبل المسيحية وحانين الشيعية على خلفية تأييد المسيحيين دعوة الحويك للاستقلال ورفض الشيعة لها. تدخلت فرنسا بذريعة وقف الفوضى وحماية الأقلية المسيحية، فشنّت حملة عسكرية واسعة على جبل عامل عُرفت بحملة “نيجر”، وكانت في الحقيقة ردّاً على مقررات مؤتمر وادي الحجير.
حملة “نيجر”: التكنولوجيا مقابل الإيديولوجيا
استمرت الحملة 17 يوماً استعمل خلالها الفرنسيون الدبابات والمدافع الثقيلة والمدرعات – أي التكنولوجيا بمفهوم اليوم – بقيادة الكولونيل نيجر، مقابل البنادق الخفيفة التي كان يحملها الثوار الذين كانوا شبه عزّل إلا من إيمانهم بعقيدتهم – أي الإيديولوجيا. فكانت النتيجة أن هُزم الثوار فقُتل منهم من قتل وهرب من هرب إلى سوريا.
دخلت القوات الفرنسية دارة آل الأسعد في الطيبة في 29 أيار ونهبتها انتقاماً من الزعيم كامل الأسعد الذي كان قد اجتمع مع الكولونيل نيجر في قرية هونين لمحاولة التوصل إلى حل. فرّ بعدها إلى الجاعونة بفلسطين ومنها إلى دمشق، ما اعتبره الكولونيل الفرنسي خدعة تعرّض لها من الأسعد.
وثيقة الاستسلام: بداية التحوّل نحو لبنان الكبير
في 5 حزيران وكشرط لوقف الحملة العسكرية، وقّع زهاء 200 شخص من علماء ووجهاء جبل عامل على وثيقة فرنسية أشبه بوثيقة استسلام، إذ تضمنت نفي كل من كامل الأسعد والسيد عبد الحسين شرف الدين وغيرهم، كما الإعدام لصادق حمزة وأدهم خنجر، وغيرها من المقررات والغرامات المالية التي أهلكت الحرث والنسل في جبل عامل لمدة طويلة. بدأت بعدها القيادات الشيعية انخراطها بمؤسسات لبنان الكبير الذي كان أُعلن في الأول من أيلول من نفس العام، وذلك بعد هزيمة الملك فيصل في معركة ميسلون وخروجه من سوريا.
بين إعادة تشكيل المنطقة وموقع الشيعة اليوم
اليوم وبعد قرن من الزمان، وفي لحظة تاريخية حيث يُعاد صياغة وتشكيل المنطقة لتتلاءم مع واقع العصر الأميركي – بغض النظر عن الموقف منه – وفي الوقت الذي تتعامل فيه غالبية دول المنطقة بواقعية مع الوضع حفاظاً على مصالحها، نرى شيعة جبل عامل يعيدون التاريخ نفسه ويقفون وحدهم في مواجهة المنطقة والعالم فيدفعون الأثمان.
من وحدة العرب إلى ولاية الفقيه: تبدّل الهدف وتبدّل الخسائر
وإذا كان يمكن للبعض تفهّم الموقف الذي كان قبل قرن من الآن باعتبار أن الهدف كان وحدة الأمة العربية – وهي دعوة يرى فيها هذا البعض رومانسية محقّة ونبيلة في ذلك الحين – فضلاً عن قلة الخبرة والتجربة السياسية والجهل يومها بمقتضيات لعبة الأمم، فإن الوضع اليوم غير مفهوم ولا مقبول.
إذ أن الهدف هو ربط مصير لبنان بدولة إيران غير العربية التي تعتنق فكر “ولاية الفقيه”، والتي هي كدولة ومعتقد لا يتلاءم وضعها مع طبيعة اللبنانيين بتنوعهم الطائفي والثقافي والاجتماعي، ما سيؤدي بطبيعة الحال إلى تقسيمهم وفرزهم طائفياً ومذهبياً.
ثم إن التجارب السياسية التي مرت على لبنان – ولن نقول المنطقة ككل – طيلة نصف قرن مضى، كفيلة بأن تجعل المرء يفكر ملياً ويستخلص العبر من كمّ الصدمات التي تلقاها بلد صغير كلبنان بكل طوائفه، كما بإمكاناته المحدودة على كل الصعد.
الحلول الممكنة: تجنّب استسلام جديد على يد نتنياهو
الأمر يقتضي إعمال العقل والحكمة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان، كي لا يتكرر ما حصل من استسلام بعد حملة نيجر ولكن هذه المرة على يد نتنياهو الطليقة في المنطقة. وليكن لنا في الحرب الأخيرة المستمرة ونتائجها الكارثية على أهالي الجنوب والشيعة عموماً عبرة، سواء من ناحية إمكانيات المواجهة ووسائلها – التكنولوجيا مقابل الإيديولوجيا – أم من ناحية الخذلان الذي تعرضنا له كطائفة ووطن من قِبَل من “استثمر” فينا – إيران وخرافة وحدة الساحات – طيلة هذه السنين ولا يزال.
هل يأتي الترياق من فتوى السيستاني؟
لذلك فإن الحل الوحيد الممكن اليوم والأقل كلفة هو العودة إلى كنف الدولة والوطن قبل فوات الأوان. ولعلّ في رسالة المرجع الإسلامي الشيعي الأعلى السيد علي السيستاني الأخيرة إلى القيادة الإيرانية بخصوص لبنان وما يتعرض له – وهو الذي سبق وأفتى لبلاده بحصرية السلاح بيد الدولة سابقاً – ما يشجّع البعض عندنا أن يستفيق ويراجع مواقفه بعيداً عن المكابرة والتعنت.
لأن قرار الحل يجب أن يبدأ من هنا وليس من طهران التي ترعى مصالحها وحدها وليست مستعدة للاستماع لنصيحة أحد في هذا المجال، وعلينا بالتالي أن نرعى مصالحنا كذلك ومصالح أهلنا وناسنا الذين لم يبخلوا يوماً في سبيل أي قضية يرونها محقة.
وقد حان الوقت كي ينظر من يتصدون لقيادتهم بعين العقل والتبصر لقضيتهم المحقة في العيش الكريم والأمن والاستقرار بعيداً عن طموحات ومصلحة أماني ولاريجاني أو أي كان، سواء دولة أو زعيم، ما عدا مصلحة الدولة اللبنانية بكل فئاتها وطوائفها.
فهل يأتي الترياق من فتوى السيستاني في العراق؟

