يقولون “الإعتراف بالخطأ فضيلة”. فكيف ِإذا كانت نتيجة الخطأ هزيمة عسكريّة أدّت الى نكبة إجتماعية وإقتصاديّة ووطنيّة؟
ما يقوله معظم الناس بشأن أهمية الإعتراف بالخطأ فيه الكثير من الصحّة لأنه مبني على تجربة إنسانيّة مجتمعيّة راسخة. فالإعتراف بالخطأ يعيد ترتيب العلاقات بين الناس، بعد أن تكون قد اهتزّت بفعل الخطأ المرتكب. كما انه بحسب التجربة ايضًا، الإعتراف هو خطوة أساسيّة نحو التعلّم والتطور وتجاوز الأخطاء بدل تكرارها.
لكن الاعتراف بالخطأ يتطلّب شجاعة أخلاقيّة ومجتمعيّة. أخلاقيّة، لأنه اعتراف بخطأ ارتُكِب، وهذا الخطأ منافٍ للأخلاق بمعناها الواسع، إذ يُفترض أن الخطأ قد تسبّب بالأذى لبعض الناس. ومجتمعيّة، لأن الاعتراف بالخطأ يرتّب على صاحبه مسؤوليّة تجاه الذين تسبّب لهم بالأذى.
ما الذي يمنع حزب الله من الاعتراف؟
“حزب الله” لم يعترف بخطأ ارتكبه عندما أقدم على حرب الإسناد، ولا بهزيمة عسكريّة نتيجة هذا الخطأ، لأن “حزب الله” يخشى الاعتراف، أخلاقيًّا ومجتمعيًّا. أخلاقيًّا، لأنه يعتبر بأن ما قام به هو في صلب عقيدته وهو مكلّف به من الولي الفقيه، فكيف يكون خطأ ما هو واجب ديني؟ وكيف تكون هزيمة وشعاره هو “حزب الله هم الغالبون”؟ أبعد من ذلك، ولأن هزيمة “حزب الله” ترافقت مع هزيمة محور الممانعة ككل وسقوط مشروعه الأساسي في تصدير الثورة الإيرانيّة، يصبح اعترافه بالهزيمة بمثابة اعتراف بانتفاء سبب وجوده.
أما ما يخشاه “حزب الله” مجتمعيًّا من خلال اعترافه بالخطأ وبالهزيمة، فهو تحمّل المسؤوليّة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة والوطنيّة لخطئه وهزيمته.
حاجة الحزب إلى مرجعية للاعتراف
اعتراف المسيحي عند الكاهن يريحه ضميريًّا ويسمح له بمتابعة حياته متحرّرًا من عبء الذنب. واعتراف المريض النفسي عند المعالج، بما يخبّئه عن نفسه وعن محيطه، يحرّره من النظرة السلبيّة تجاه نفسه ويسمح له مجدّدًا بالتعامل مع الواقع، قبولًا أو رفضًا. في الحالتين، يؤدّي الاعتراف بحقيقتنا أمام مرجعيّة متسامحة أو متقبّلة إلى استعادة الثقة بالنفس والقدرة على الفعل مجتمعيًّا. أكثر ما نخشاه من عجز “حزب الله” عن الاعتراف بالخطأ وبالهزيمة، هو تفاقم نزعة التدمير الذاتي عنده وما يمكن أن ينتج عن ذلك من عدوانيّة تجاه بيئته وشعبه على حدّ سواء.
وكما يحتاج المسيحي أو المريض النفسي إلى مرجعيّة متسامحة أو متقبّلة، يحتاج “حزب الله” إلى مثل هذه المرجعيّة للاعتراف أمامها. وأجد في تصريح رئيس الجمهوريّة أن “حزب الله بشقّه العسكري انتهى. يأتون إليّ وهم يدركون هذا الواقع وهذه النتيجة، لكنهم يحرصون على نهاية مشرّفة، وعلى مخرج لائق، وهذا ما نسعى إلى إنجازه”، أجد في التصريح هذا—الذي لم يكن ليصدر لولا موافقة “حزب الله”—محاولة من الحزب للتفتيش عن المرجعيّة الوطنيّة المتسامحة أو المتقبّلة عبر موقع رئاسة الجمهوريّة.
لبنان كملجأ اضطراري لحزب الله
عندما يكرر “حزب الله” في بياناته وتصريحات قياداته تحميل الدولة مسؤوليّة ردّ العدوان الإسرائيلي وإعادة الإعمار، لا يعبّر فقط عن رغبته في التهرّب من المسؤوليّة وإلقائها على عاتق الدولة، بل يعبّر أيضًا عن حاجته إليها للخروج من أزمته الوجوديّة.
إذا نظرنا إلى “حزب الله” كحزب مسلّح فقط نفقد الكثير من فهمنا للظاهرة التي شكّلها وكيفيّة التعامل معها وطنيًّا. فـ”حزب الله” هو حاكم دويلة بالمعنى المالي والسياسي والعسكري والديني، وليس حزبًا عسكريًّا فحسب. والسؤال الأهم الذي يجب أن يطرحه اللبنانيون جميعًا على أنفسهم هو: لماذا انخرط معظم شيعة لبنان في مشروع “حزب الله” الذي يناقض دستور الدولة ويتجاوز حدودها الدوليّة؟
تفسير ظاهرة “حزب الله” في لبنان—أي سبب وجوده كظاهرة مجتمعيّة استقطبت معظم شيعة لبنان—يحتاج إلى الإجابة على هذا السؤال المؤلم. ولا إجابة مقنعة من خلال الاكتفاء بترداد مقولة “الاحتلال الإيراني” بواسطة وكيله “حزب الله”. معظم الشيعة اللبنانيين خرجوا عن دستور دولتهم وقيم وطنهم بالالتحاق بـ”حزب الله”، وهذا ما يحتاج إلى تفسير، وما لا يمكن الوصول إليه دون التوقف عند علاقة شيعة لبنان بدولتهم ووطنهم.
لن أبحث هنا في تفاصيل هذه العلاقة منذ نشأة لبنان الكبير، بل أكرر اعتقادي أن ظاهرة “حزب الله”، في هزيمته كما في انتصاراته، هي هزيمة للدولة وللوطن. وأن اعتراف “حزب الله” بخطئه وهزيمته يفترض أيضًا اعتراف لبنان كدولة ووطن بهزيمته، إذ إنه فشل في منع معظم مواطني مكوّن أساسٍ من الخروج من الدولة وبناء دويلتهم المستقلّة. وربما عندها يتجرأ “حزب الله” ويعترف بهزيمته أمام المرجعيّة الوطنيّة المتسامحة، بفعل هزيمتها هي أيضًا، مما يحتّم على الجميع إيجاد صيغة حكم مستقبليّة لا تشجّع أي مكوّن على بناء دويلته المستقلة.
هزيمة قديمة تتجدد
هزيمة الدولة والوطن ليست من عمر “حزب الله”، بل من عمر حروبنا الأهليّة. منذ أيام قليلة اعترف رئيس الحكومة نواف سلام بأن جيله حمّل لبنان أكثر من طاقته من خلال انخراطه في الحرب إلى جانب المقاومة الفلسطينيّة. وكان محسن إبراهيم، أحد قادة “الحركة الوطنية”، قد قام بالاعتراف نفسه في نقده الذاتي لتجربته هو وجورج حاوي على رأس “الحركة الوطنية” إبان الحرب.
لكن السؤال الأهم الذي لم يطرحه، لا نواف سلام ولا محسن إبراهيم، هو: “لماذا حمّلنا لبنان أكثر من طاقته؟”. وإذا كانت أحزاب “الجبهة اللبنانية” لم تعترف بعد بأنها حمّلت لبنان أكثر من طاقته أيضًا—مرة عبر التحالف مع النظام السوري في بداية توغّله في لبنان، ومرة أخرى عبر التحالف مع إسرائيل—إلّا أنّ كلا الطرفين ترجم موقفه من لبنان بما يشبه تقسيمه إلى مناطق نفوذ شبه مستقلة، تذكّر بدويلة “حزب الله”، وإن لم تصل إلى مستوى استقلاليّة دويلته ماليًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا وعسكريًّا. لكن نزعة الانفصال كانت موجودة عند الطرفين، ما يطرح إشكاليّة هذه الدولة وهذا الوطن الذي تسعى مكوّناته دوريًّا إلى تقسيمه إن لم تستطع الهيمنة عليه.
(مقالي في “النهار” مضافاً اليه المقطع الأخير، لمحدودية عدد الكلمات الممكن نشرها في مقالات “النهار” من جهة، ولإعتباري ان المقطع الأخير يضع موضوع المقال في إطاره الاوسع، من جهة ثانية).

