قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في حديثٍ للقناة 14:
«توقّعنا أن تمطرنا إيران بالصواريخ عقب اغتيال نصر الله، لكن ذلك لم يحدث. دمرنا خلال ساعات ما بناه حزب الله من مخزون صواريخ خلال سنوات طويلة. لم نبلغ الولايات المتحدة بعملية اغتيال نصر الله، ونفذنا عملية “البيجرز” بعد معلومات عن إرسال الحزب عيناتٍ منها للفحص».
“العربية”
حزب الله اداة ايران الاقليمية
تاريخيًا، سعى نظام الولي الفقيه إلى توظيف حزب الله كأداة إقليمية عندما كان الحزب في أوج قوته التنظيمية والسياسية. أما اليوم، وبعد تحولات كبرى داخل إيران والمنطقة، يبدو أن هذا النظام يستخدم ما تبقّى من الحزب في مرحلةٍ تعدّ من أخطر مراحله السياسية والتنظيمية، استنادًا إلى ما يمكن وصفه بـ”نظرية الفوضى المتواصلة” التي أتقن النظام اللعب على حدودها كما لعب على حدود الفقه الديني ذاته.
لكن ما غاب عن هذا “التنظيم العميق” أنّ فلسفة الفوضى، أو ما يُعرف في بعض المدارس الفكرية بـ”نظرية الفراشة”، ليست لعبة بلا قواعد، بل منظومة معقدة تتجاوز التصورات التقليدية في إدارة الدول والأنظمة. وهنا يتحوّل “الولي الفقيه” من رمز ديني إلى وظيفة سياسية متآكلة المفعول، تشبه العقود الرأسمالية التي تنتهي بانتهاء مصالحها، وفق القاعدة المعروفة: Business is Business.
نعم، Business is Business.
فالرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي قال ذات يوم خلال لقائه عددًا من النشطاء في محافظة يزد:
«إسرائيل لن تقتنع إلا بسقوط إيران، ولا تفكر إلا في تقسيمها وإضعافها حتى لا يبقى بلدٌ اسمه إيران».
في المقابل، كتب وزير خارجية بولندا رادوسواف سيكورسكي، تعليقًا على تصريحات نظيره الإيراني عباس عراقجي الذي نفى صلة إيران بالطائرة المسيّرة المعروضة في البرلمان البريطاني: “كان من الأفضل ألا تُباع الطائرات المسيّرة وتراخيص تصنيعها إلى موسكو خلال العدوان الروسي على أوكرانيا”.
تاريخيًا، سعى نظام الولي الفقيه إلى توظيف حزب الله كأداة إقليمية عندما كان الحزب في أوج قوته التنظيمية والسياسية
وأضاف الوزير البولندي متمنيًا للشعب الإيراني أن يحظى بحكومة “تركّز على إعادة بناء الحضارة الإيرانية، بدلًا من تصدير الثورة والاستمرار في برنامج تخصيب اليورانيوم”.
وفي الداخل الإيراني، برزت انتقادات لافتة من صحيفة “جوان” التابعة للحرس الثوري، ردًا على تصريحات الرئيس مسعود بزشكيان، الذي قال مؤخرًا:
«نحن ننام على الذهب لكننا جياع، ونجلس على النفط والغاز لكننا جياع».
رأت الصحيفة أن النقد لا يكون بتكرار كلمة “الجوع”، بل بتقديم سياسات اقتصادية واجتماعية تعزّز العدالة التوزيعية وتقلّص الفجوة الطبقية، معتبرةً أن من واجب الرئيس أن يبثّ الأمل لا الإحباط في المجتمع.
رئيس بلا سلطة
لكن، من موقع المراقب، تبرز مجموعة أسئلة مشروعة إلى صحيفة “جوان”:
كيف لا يكون النقد مشروعًا في ظل إقرار الصحيفة ذاتها بعمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية؟
وكيف يمكن تحميل رئيسٍ إصلاحي مسؤولية الانهيار بينما تُحاصره بنية سياسية وأمنية متجذّرة تمنعه من تنفيذ برنامجه الإصلاحي الذي انتخبه الشعب على أساسه؟
ثم كيف يكون الرئيس الإيراني “رمز الإرادة الوطنية”، في حين لا يملك سلطة حقيقية على مفاصل القرار الاقتصادي والعسكري التي تمسك بها الدولة العميقة؟
لقد شهد الإيرانيون ثورات شعبية سابقة، أبرزها الثورة الخضراء، التي جرى قمعها بعنف، وسُفكت فيها دماء الإيرانيين في المدن الكبرى. فكيف يمكن بعد كل ذلك الحديث عن “روح الثقة” و”النظرة المستقبلية” بينما يعيش المواطنون في قلقٍ دائم من أزمات متراكمة؟
انهيارات اقتصادية
ولعلّ انهيار بنك “آينده” مؤخرًا يكشف عمق الأزمة البنيوية. فبعد خسائر هائلة وشبهات فساد طالت شخصيات نافذة، أعلنت إيران إفلاس أحد أكبر بنوكها الخاصة، فيما كتب مؤسسه علي أنصاري رسالة اعتبر فيها نشاط البنك “جهادًا ورمزًا للجهد والذكاء”، متجاهلًا القروض الضخمة التي أغرقت البنك.
ورغم أن أنصاري شكر الله على “توفيق” عمله، فإن التساؤلات الشعبية في إيران تمحورت حول حجم الأموال المهدورة والعلاقات الوثيقة بين بعض رجال الأعمال ومراكز النفوذ داخل النظام. فقد كشفت صحيفة “هممیهن” أن 98٪ من القروض الكبرى في بنك “آينده” غير مسدّدة، ما يعادل نحو 120 ألف مليار تومان، أي ما يعني عمليًا شلل النظام المصرفي داخل البنك.
كيف يكون الرئيس الإيراني “رمز الإرادة الوطنية”، في حين لا يملك سلطة حقيقية على مفاصل القرار الاقتصادي والعسكري التي تمسك بها الدولة العميقة؟
ردود الفعل الشعبية كانت واسعة، واعتبر كثير من الإيرانيين أن الفساد البنيوي في النظام السياسي هو السبب الجذري في الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تعصف بالبلاد. وهكذا، يتبدّى المشهد الإيراني بين خطابٍ رسمي يدعو إلى الثقة والأمل، وواقعٍ اقتصادي وسياسي يعكس هشاشة النظام القائم على تحالفٍ بين الدين والسلطة والمال.
والخلاصة، فان إيران اليوم عند مفترق طرقٍ حقيقي:
إمّا أن تستعيد توازنها عبر مراجعة شجاعة لسياسات “الولي الفقيه” في الداخل والخارج، وإمّا أن تبقى أسيرة دوامة الفوضى التي لم تعد تملك السيطرة على قوانينها.
اقرا ايضا: «لا يُسلَّم السلاح إلا لصاحب الزمان (عج)»: قراءة نقدية لشعار المقاومة الغيبية

