يستمرّ ملفّ قانون الانتخاب بنداً خلافياً مفتوحاً في الداخل اللبناني، متنقلاً بانقساماته الحادّة بين مجلس النواب واللجان النيابية ورئاسة الحكومة التي دخلت مؤخّراً على الخطّ بمواقف أثارت غضب الرئيس نبيه برّي، لتقابلها موجة ردود من القوى المعارضة، ولا سيما الكتائب والقوات والمستقلّين. هذا الاشتباك السياسي يترافق مع انسدادٍ تام في أفق المعالجة، فيما البلاد تقف على فوهة حربٍ محتملة مع إسرائيل، تزداد احتمالاتها مع كلّ يوم يمرّ من دون تسليم «حزب الله» سلاحه للدولة.
مصادر دبلوماسية أوروبية كشفت أنّ «الضربة الإسرائيلية الموسّعة ضد لبنان قد تكون مسألة وقت فقط»، في ظلّ تصعيد ميداني متواصل، وتكثيفٍ للتدريبات العسكرية على الحدود.
وفي هذا السياق، أعلن الجيش الإسرائيلي اختتام تمرينٍ مكثّف استمرّ خمسة أيام بقيادة الفرقة 91، هدفه «رفع الجاهزية العملياتية في الدفاع والهجوم على الحدود اللبنانية برّاً وبحراً وجوّاً». وأشار المتحدث باسم الجيش أفيخاي أدرعي إلى أنّ «التمرين حاكى سيناريوهات طوارئ قصوى واستدعاء قوات الاحتياط والانتقال إلى الهجوم»، مضيفاً أن التمارين جاءت «استناداً إلى الدروس المستخلصة من عامين من القتال في جنوب لبنان».
لبنان الرسمي بين الأمم المتحدة والحدود الجنوبية
بمناسبة يوم الأمم المتحدة، وجّه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون رسالة أكّد فيها التزام لبنان بـ«رسالة السلام وحرية الشعوب»، معتبراً أنّ ميثاق الأمم المتحدة قبل 80 عاماً يجسّد «نضال لبنان من أجل سيادته واستقلال قراره».
وفي اليوم نفسه، جال وزير الخارجية يوسف رجي على متن طوافة تابعة لليونيفيل فوق القرى الجنوبية، متفقّداً الخط الأزرق والنقاط المحتلّة، حيث اطّلع على حجم الدمار الذي خلّفته الاعتداءات الإسرائيلية. وفي مقرّ القوات الدولية في الناقورة، أكّد رجي ضرورة دعم الجيش اللبناني وتطبيق القرار 1701، مشيداً بدور اليونيفيل في حفظ السلام رغم تقليص الموازنات.
المنسّقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان جينين هينيس-بلاسخارت، بدورها، رأت أنّ «لبنان يعيش مرحلة مفصلية من تاريخه الحديث، وسط تحوّلات إقليمية كبرى»، مشدّدة على أنّ «لبنان لا عودة فيه إلى الوراء، رغم كلّ الإخفاقات السياسية والاقتصادية الماضية».
رسائل إسرائيلية بالطائرات المسيّرة… وتحذيرات من استهداف الجيش
في الميدان أيضاً، كشفت مصادر دبلوماسية مطّلعة لـ«الجمهورية» أنّ «كثافة المسيّرات الإسرائيلية في سماء لبنان تهدف إلى تحديث بنك الأهداف وجمع معلومات استخباراتية جديدة»، مضيفة أنّ تحليقها فوق القصر الجمهوري والسراي الحكومي يحمل «رسائل سياسية واضحة مفادها أن وقت اللعب انتهى».
ووفق هذه المصادر، فإنّ «إسرائيل باتت تعتبر لبنان برمّته معنيّاً في المرحلة المقبلة، وقد لا تفرّق بين الجيش وحزب الله في حال اندلاع الحرب».
نتنياهو والهرب إلى الحرب: حسابات داخلية بخلفية سياسية
مصادر عربية مطّلعة حذّرت من أنّ «الخطر الأكبر في المرحلة المقبلة مصدره الحسابات الداخلية الإسرائيلية». فبحسب دبلوماسي عربي نقلت عنه صحيفة «الجمهورية»، فإنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يسعى إلى «الهروب من المحاكمة عبر تصعيد عسكري على جبهة لبنان»، بعدما فُتح مسار محاكمته بتهم الفساد إثر انتهاء حرب غزة وفق اتفاق الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
ويرى هذا المصدر أنّ «نتنياهو يريد استثمار أيّ حرب أو تصعيد لتلميع صورته واستعادة موقعه السياسي قبل الانتخابات النيابية في ربيع 2026».
واشنطن تُفضّل الهدوء… ومسار براك لا يزال قائماً
في المقابل، تُبدي واشنطن رغبة واضحة في تجنّب تصعيدٍ واسع. فبحسب أوساط لبنانية على صلة بالإدارة الأميركية، فإنّ «أولوية البيت الأبيض حالياً هي تنفيذ اتفاق ترامب في غزة، وفتح المسارات السياسية في المنطقة».
وتؤكّد هذه الأوساط أنّ «المسعى الأخير للمبعوث الأميركي توم براك لإطلاق الحل السياسي في لبنان لا يزال قائماً ضمن أجندة واشنطن»، مشيرةً إلى أنّ «أي حربٍ واسعة قد تعيد خلط الأوراق وتهدّد التفاهمات الإقليمية قيد التنفيذ».
الحرب ممكنة… لكنّها غير مرجّحة
مصادر سياسية لبنانية رفيعة ترى أنّ احتمال اندلاع حربٍ شاملة «يبقى قائماً، لكنّه غير مرجّح في المدى المنظور». فالوضع القائم منذ اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 «مريح لإسرائيل التي تمارس الضغط والاغتيالات من دون ثمنٍ دولي أو ميداني».
وتضيف المصادر أنّ «تجربة غزة أثبتت محدودية الخيار العسكري في تحقيق الأهداف الكبرى كنزع السلاح، فكيف بالحال في لبنان؟».
في المقابل، يُجمع المراقبون على أنّ التصعيد الجاري يشكّل مرحلة اختبار دقيقة، ستحدّد ما إذا كانت المنطقة تتّجه نحو تفاهمٍ سياسي شامل أم نحو جولة حرب جديدة تُعاد فيها صياغة خرائط النفوذ من جديد.
اقرا ايضا: بين الجمود النيابي والتصعيد الإقليمي: المسيّرات تجتاح سماء لبنان وترامب يلوّح بتدخّل في غزة

