مع دخول الحرب الإسرائيلية-اللبنانية مرحلة التهدئة، ووسط التغيرات الإقليمية المتسارعة بعد اتفاق غزة، يتزايد الحديث في الأوساط السياسية والعسكرية عن إمكان فتح باب المفاوضات بين لبنان وإسرائيل. يعود هذا الطرح إلى الواجهة اليوم، في ظل ضغط الواقع الميداني والاقتصادي الذي يعيشه الجنوب اللبناني. وبين من يعتبر التفاوض خيارًا واقعيًا لا مفرّ منه، ومن يراه تنازلًا عن الثوابت الوطنية، يظل السؤال الأساسي مطروحًا: هل أصبح لبنان على مشارف مرحلة سياسية جديدة؟
“الحرب هي متابعة للسياسة ولكن بوسائل أخرى”، يقول الجنرال المتقاعد نزار عبد القادر لموقع جنوبية، ويشير إلى أنه: “لم يعد أمام لبنان إلا أن يعتمد المنطق السياسي والدبلوماسي، والقبول بإجراء مفاوضات مع إسرائيل، وقد تكون برعاية أميركية-فرنسية أو برعاية الأمم المتحدة”.
عبد القادر: إسرائيل تريد كسب خطوة أولى، قد تتبعها خطوات ضمن خطة طويلة الأمد من أجل تطبيع العلاقات مع لبنان، وإيجاد سلام بالمعنى السياسي بين البلدين
لبنان خاض مفاوضات دبلوماسية واسعة وطويلة مع إسرائيل برعاية أميركية بعد الاجتياح عام 1982، وعُقدت بعض الجلسات داخل لبنان وبعضها داخل إسرائيل في كريات شمونة. ويعتبر عبد القادر أنه: “سبق للبنان أن قبل بمثل هذا المنطق في مباحثات ترسيم الحدود البحرية بقيادة آموس هوكشتاين”. مضيفًا: “المفاوضات ليست أمرًا محرمًا أو مستحيلًا إذا كانت لصالح لبنان واللبنانيين”.

المفاوضات لا تعني الاعتراف بإسرائيل!
وعند سؤاله عن ما إذا كانت إسرائيل تريد تحقيق هدف سياسي من خلال نتائج الحرب الأخيرة، يؤكد أن: “إسرائيل تريد كسب خطوة أولى، قد تتبعها خطوات ضمن خطة طويلة الأمد من أجل تطبيع العلاقات مع لبنان، وإيجاد سلام بالمعنى السياسي بين البلدين”. لكنه يشدد على أن المفاوضات لا تعني أبدًا الاعتراف بإسرائيل، لأن مسألة الاعتراف تتطلب تبادل السفارات وإجراءات ترعاها الأمم المتحدة، ويُخطر بها مجلس الأمن، وهو مسار معقد.
الواقعية السياسية!
ويرى عبد القادر أنه من الضروري أن يكون لبنان واقعيًا في مقاربة الأمور، ويجب الوصول إلى اتصالات دبلوماسية هادئة، مباشرة أو غير مباشرة، تؤدي إلى تسويات أمنية وتفتح الباب لنقاش هدفه الاستقرار ووقف التهديدات من قبل الجانبين. ويعتقد أن على “لبنان السياسي أن يكون مبدعًا في إيجاد الحلول”، ويضرب مثالًا عن مساعي دونالد ترامب وكيفية إنجاحه للمفاوضات بين حماس وإسرائيل برعاية دول عربية وإسلامية، طاويًا صفحة الحرب.
التفاوض لمصلحة لبنان
بدوره، قال اللواء الدكتور عبد الرحمن شحيتلي لموقعنا، إن الحرب في نهايتها وليست في بدايتها، لافتا الى ان: “نهاية كل حرب هي التوصل إلى اتفاقات ومفاوضات وشروط من نوع ما بين الأطراف المتحاربة”، مضيفًا: “العدو الإسرائيلي يحاول التوصل إلى اتفاقية مباشرة مع لبنان على غرار هدنة 1949”. ورأى أننا أمام مشهد تعديل الهدنة السابقة أو الدخول في تفاوض لتوقيع اتفاقية هدنة جديدة، مشيرًا إلى أن “التفاوض لمصلحة لبنان وليس لمصلحة إسرائيل، لأنها تعتبر نفسها منتصرة وتريد فرض شروطها بدون تفاوض”.

لبنان في عجلة لإنهاء الحرب
ويعتقد شحيتلي أن طرح الرئيس جوزيف عون طرح “واقعي” ويجب “تأييده من قبل اللبنانيين”. ويعتبر أن الجلوس مع العدو في نهاية الحرب لا يعني الاعتراف به. ويشير إلى نقطة في غاية الأهمية تتعلق بالمدة الزمنية التي تتطلبها عملية المفاوضة، ويضرب مثالًا زيارات السفير طوم باراك إلى لبنان وإسرائيل، والتي تتخللها عقبات أو سوء فهم. ويرى أن: “إسرائيل غير مستعجلة، بينما لبنان مستعجل ويريد إنهاء الحرب وحماية ناسه”، ولذلك فالتفاوض المباشر بوجود وسيط لمصلحة لبنان.
وعن سلبيات التفاوض الحالي، يجيب شحيتلي: “يأتي المبعوث الأميركي ويسلمنا ورقة، تقرأها الدولة اللبنانية ثم تُسلم للمبعوث الأميركي الذي يذهب بدوره إلى إسرائيل، فلا توافق عليها، وبذلك يخسر لبنان سقفًا من سقوفه التفاوضية في كل مرة”. وبرأيه، تلجأ بعدها إسرائيل إلى وضع سقف أعلى من السقف الموافق عليه من قبل لبنان في الورقة.
شحيتلي: نهاية كل حرب هي التوصل إلى اتفاقات ومفاوضات وشروط من نوع ما بين الأطراف المتحاربة، والعدو الإسرائيلي يحاول التوصل إلى اتفاقية مباشرة مع لبنان على غرار هدنة 1949
لا حلول أمام إسرائيل!
ويرى شحيتلي أن هناك “مطلبًا استراتيجيًا إسرائيليًا لتأمين حدوده مع لبنان”، وبذلك تكون “الهدنة ذات طابع عسكري، هي المدخل لأي حلول سياسية مستقبلية في المنطقة، شرط حصول لبنان على حقوقه كافة”. ويعتبر أن إسرائيل ليس أمامها من حل سوى توقيع اتفاقية هدنة مع لبنان. لكنه في المقابل يلفت إلى أن مشكلة لبنان تكمن في عدم قدرة الأطراف السياسية على “حل مشاكلهم الداخلية بهدف الذهاب بموقف موحد إلى المفاوضات”، وهذا “جريمة بحق الوطن”.
حصرية التفاوض بيد الشيعة!
هناك نقطتان يجب الإشارة لهما: الأولى، أن الهدنة تعني أن سلاح حزب الله يصبح مسألة لبنانية داخلية. أما النقطة الثانية، والتي توجب الإشارة لها، فهي أن الرئيس نبيه بري لا يرفض التفاوض المباشر مع إسرائيل بشكل شبه مطلق، لكن رفضه ينبع من استراتيجية لحفظ النفوذ والسيطرة واحتكار هذا الملف الحساس حصرًا بيد الطائفة الشيعية. في هذا السياق، يقول عبد القادر بأن الرئيس بري لا يحق له دستوريًا أن يتكلم باسم اللبنانيين، فهذه مسألة يقررها مجلس الوزراء ويتبناها رئيس الجمهورية.
ويطرح تساؤلات: “هل لبنان واللبنانيون يريدون السلام أم الحرب؟ ألا تستدعي حياة خمسين قرية في الجنوب وعشرات آلاف المواطنين اللبنانيين وأرزاقهم وأمنهم ومستقبلهم البحث عن حلول أمنية للاستقرار على طرفي الحدود؟” ويختم بالقول: “نحن مع حقوق الفلسطينيين، ولكن ألا توجد حقوق للبنانيين؟!”.
والخلاصة، انه في ضوء المواقف المتباينة بين الواقعية السياسية والحسابات الطائفية، يبدو أن لبنان يقف أمام مفترق مصيري. فالحرب استنزفت قدراته، والمجتمع الدولي يلوّح بخيار التسوية. بين من يرى في التفاوض فرصة لحماية لبنان، ومن يعتبره تنازلًا مرفوضًا، يبقى القرار مرهونًا بوحدة الموقف الداخلي. فهل يملك لبنان الشجاعة والعقلانية الكافية ليحوّل الحرب إلى فرصة سلام تحفظ سيادته وكرامة شعبه؟
اقرا ايضا: هل فشلت ثورة 17 تشرين أم حققت التغيير؟

