اذا انكسر زجاج الشباك في بيت أحدنا وكان الوقت ليلا يضع ستارا مؤقتا من بلاستيك أو خشب او غيرهما، بانتظار أن يحل الصباح، لكنه قد يبقى على هذه الحال أسابيع إذا كان الزجاج مفقودا في الأسواق، أو لان أسباب كسر الزجاج لم تتبدل. وقد يبقى سنوات على هذه الحال إذا كانت موارده لا تسمح له بشراء زجاج جديد. وعندما نقول سنوات فهذا يعني أنه اعتاد على ترقيع الزجاج وأصبح مشهده ومشهد الترقيعات الأخرى أمرا طبيعيا، وقد يصبح البيت جمعا للترقيعات.
حالنا في اصلاح شبابيك المنزل أشبه بحالنا مع أبواب البيت التربوي وشبابيكه. لكنه أصعب من ذلك بكثير. لأنه في التربية، كما في أي واقعة اجتماعية (social fact) لن نعتاد فقط على الترقيع بل يصبح هذا الترقيع، مع الوقت، كأنه هو الصحيح وهو الأصل، ونندهش ممن يقول أن هناك شيئا خطأ.
الأدهى أن الذي اعتاد على الوضع الذي هو فيه، سوف يقاوم أفكار التغيير بوعي أو بغير وعي، بسبب الألفة مع الواقع السائد، او بسبب نشوء مصالح وجهات تستثمر في الوضع القائم. والأقسى ان المشكلة، في الواقعة الاجتماعية، ليست فردية بل تجسدها وتعكسها شرائح اجتماعية وجماهير تستبطن الوضع القائم. وتقودها منظمات وأحزاب سياسية فاعلة تبلور شعارات ومقولات من رحم الوضع المشوه، فتنفخ فيه وتدفعنا إلى صراع شرس على الحصص وعلى الخيار بين السيئ والأسوأ. وتنطلي علينا خطاباتها المخادعة التي تستعمل لغة عامة ومبادئ وطنية وعالمية لتسويغ هذا التناحر.
نحن هنا بالضبط في القطاع التربوي وبالعين المجردة. لنضع عامل المال جانبا. هل التفرغ في الجامعة اللبنانية طريقُهُ التعاقد بالساعة الذي لا نهاية له، وما يصاحب ذلك من انتظار رحمة القدر، ورحمة هذا المسؤول أو ذاك ورضاه.
ألم نتآلف مع هذه الواقعة لدرجة اننا نستغرب النظر الى الموضوع بعين أخرى ونعتبر ذلك تضييعا للموضوع ومؤامرة علينا؟ هل تعيين المعلمين في التعليم العام طريقُهُ تراكمً بشري هائل للمتعاقدين، ثم ضغوطٌ تفضي الى تعيين المتعاقدين عن طريق السياسة؟ ثم نتصارع فيما بيننا على أفضلية التعيين استنادا الى العمر والمنطقة الجغرافية والمذهب الديني؟ ونتناحر على الحصص كأنها مساعدات خيرية يمنّ بها أصحابُ المقامات على المحتاجين؟ كيف اعتدنا على وجود الفروع الجيوبوليتكية في الجامعة اللبنانية؟ وعلى ان تكون الجامعات الخاصة تابعة للجماعات والزعماء والأحزاب السياسية والزعماء القائمين على الحكم، ونسينا ان في ذلك كله تضارب للمصالح وإعلاء للمصلحة الخاصة على المصلحة الخاصة؟ وأن نتائجه فتك رمزي بالتماسك الاجتماعي؟
كيف اعتدنا أن يتطلب تغيير المناهج آلةً ضخمةً تُنفق فيها أموال كثيرة تتعطف بها علينا منظماتُ دولية؟ وكيف اعتدنا ان يستغرق التغيير سنوات وينتجُ عنه كتاب ضخم يصدر بمرسوم، ويحتاج تعديله الى عشرين او ثلاثين سنة في كل مرة؟ وكيف، كيف اعتدنا ان ننسى الطلبة الذين أنشئت من أجلهم المؤسسات التربوية وعُين المعلمون والمديرون. كيف اعتدنا على نسيانهم واعتدنا في الوقت نفسه على أن الطلبة يجب ان يكونوا هنا من أجل المعلمين والمديرين وأصحاب المؤسسات وفروع المؤسسات ومن فوقهم أصحاب النفوذ، بمن فيهم وزراء ونواب، يتخذون المؤسسات التربوية ذراعا ومطية لزيادة نفوذهم؟ كيف اعتدنا أن نقلب المنطق بهذه السهولة؟ كيف اعتدنا على النظر الى الإناء مقلوبا وأصبحنا نطالب ان نسكب فيه ومنه؟ كيف ألِفنا كلّ ذلك وغيره وأصبحنا جزءا من يومياته؟
من حسن الحظ أن هناك من له عيون تنظر الى الأمور المألوفة بطريقة غير مألوفة. ومن حسن الحظ ان هناك فضاءات تتوسع تدريجيا للنقاش الحر والبناء وبأقل قدر من التنميط المسبق، وتسمح بالنظر الى الأمور بعيون أخرى. ومن حسن الحظ أن القطاع التربوي بنوعيه الخاص والرسمي يضم قوى حية وأفرادا متنورين. ومن حسن الحظ ان في عقولِ الكثير من اللبنانيين نوافذ للانفتاح وإن كان المسرح يظهرهم على غير ذلك. ومن حسن الحظ أن لدينا وزيرةً للتعليم العالي اليوم ترى الأمور بعين أخرى وتقودنا نحو طرح الأسئلة وإعادة النظر مرة تلو أخرى. ومن حسن الحظ ان لدينا زملاءَ كثر منفتحين على إعادة النظر بالأمور المألوفة بطريقة عقلانية مهما كانت اتجاهاتهم أو ولاءاتهم، وأنهم منفتحون على الفضاء العام والشأن العام والخير العام والتعليم العمومي.
أيها السادة سوف تعرض فرق العمل اليوم خمسة مشاريع – مشروع انشاء الهيئة الوطنية لضمان الجودة في التعليم العالي، – مشروع قانون الشروط العامة للتعيين وترفيع أفراد الهيئة التعليمية في الجامعة اللبنانية، ونسميه مشروع الرتب والترقية، – مشروع مرسوم التفرغ في الجامعة اللبنانية، – مشروع مصفوفة المدى والتتابع في المناهج اللبنانية الجديدة، – مشروع قانون تعيين أفراد الهيئة التعليمية في التعليم العام ما قبل الجامعي. اثنان من هذه المشاريع أصبحت نهائية وستكون في طريقها الى مجلس الوزراء قريبا، واحد معلق، واثنان في المرحلة ما قبل النهائية.
كان يمكن ان نكتفي بان تنجز كل مجموعة عملِ عملها، لكننا ارتأينا أن تجتمع جميع المجموعات اليوم، ليس فقط من أجل التعارف، ولا من أجل الاحتفال والإعلام، بل من أجل سبب آخر.
صحيح أننا نعمل على مشاريع متواضعة\ سميناها إصلاحية. وصحيح أن الإصلاح في هذه المشاريع هو أقرب عمليا إلى الصيانة، إلا أننا نسعى عبر أعمال جزئية إلى قلب الأمور لكي تصبح في وضع طبيعي: جامعة طبيعية، أصول طبيعية في تعيين المعلمين، أصول طبيعية في صناعة المناهج وفي ضمان الجودة، وفي حوكمة القطاع التربوي ان على مستوى المؤسسات أو على مستوى الوزارة.
ونحن نعمل على ذلك، أي على طرح قضايا قد تكون صغيرة ومتفرقة، نبحث عن المبادئ التي تجمعنا وتجمع هذه القضايا. وما أكثر ما افتقدناه منها خلال عقود من الزمن. وكلما تواصلنا بنينا إطارا مبدئيا لعملنا أكثر عمومية. وهذا هو جوهر لقائنا اليوم.
ونحن يجمعنا على الأرجح التزام بما هو عام وبما هو تحديث للأنظمة، وربما التوسع في هذا الفضاء الذي يسمى الفضاء العام، إن من جهة قضاياه أو من جهة عدد المنخرطين فيه، وربما التقدم خطوات إضافية على الخطين خط الإصلاح وخط الفضاء العام.
نعم نود أن نبني رؤية مشتركة رغم تنوعنا، بل بفضل هذا التنوع، وآمل أن نتوسع في الشراكة نحو زملاء آخرين ونحو فاعلين اجتماعيين متعددين، ونطرح قضايا أخرى. وربما نسهم عن طريق مشاريع في احداث فرق في منظومتنا التربوية، وفي المتابعة بما يتجاوز عمر الحكومة الحالية. وسوف نستمر بقيادة الوزيرة كرامي في إثارة القضايا التي تآلفنا معها حتى الانغلاق وفي طرح الأسئلة التي قد تثير أحيانا المشاكل مع عاداتنا السابقة ومع المستثمرين فيها.
أهلا بكم في هذه الجولة القصيرة من الانفتاح على الأفكار العقلانية والمبادئ العامة غير الحصرية وفي تداول الأفكار في سياق تناول قضايا حصرية ولكنها جدية.
الدكتور عدنان الامين (16 تشرين الأول، 2025 –فايسبوك)

