يظهر من حصيلة عامين بعد طوفان الأقصى، وما تلاه من «حرب الإسناد» في لبنان، أنه قبل كل شيء مأساة إنسانية مزدوجة، دفع الشعبان الفلسطيني واللبناني ثمنها الباهظ، بينما ظلّ الخطاب الرسمي عند الطرفين يحتفل بـ«الصمود» و«النصر الإلهي»، متجاهلاً أكوام الركام والتهجير والفقد الذي أصاب المدنيين.
ومع هذا لا يمكن مقارنة ما قام به السنوار، والذي أفضى إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية من قبل حوالي 160 دولة، بفضل ضغط ومساندة السعودية وفرنسا والنظام العربي عموماً، ما أحرج الرئيس الأميركي وجعله ينهي الحرب الإبادية، ويفتح الآفاق أمام إمكانية حل عادل أمام الشعب الفلسطيني.
أما ما سُمّي بـ«حرب الإسناد»، التي لم تُسند أحداً بقدر ما أضافت جبهة جديدة للمعاناة، فلقد عانت من خلل أساسي، ومن نقص فادح في الذكاء السياسي والقدرة على قراءة الوقائع. لقد بُنيت القرارات على انفعالات أيديولوجية وعلى وهم تغيير موازين القوى، دون حساب موضوعي لتبعاتها على الأرض أو للقدرات الفعلية.
وحين تؤول النتائج إلى دمار البنى التحتية، وانهيار الاقتصاد، وتدمير القرى وتهجير الآلاف، وموت المئات من الأبرياء، لا يمكن أن يبقى الخطاب يتحدث عن «نصر» بأي معنى سياسي أو أخلاقي.
لقد حصل قلب كامل لمفهوم النصر والهزيمة:
صار الخراب «إنجازاً»، والدم «دليل عزّة»، والدمار والتهجير «مرحلة من مراحل التحرير» وحفظاً للكرامة.
هذا الانفصال بين الخطاب العقائدي والواقع الإنساني هو ما يجعل المجتمعات تعيش في دوامة مستمرة من الألم والإنكار.
بين واقعية السياسة ووهم البطولة
أما حرب غزة، فلقد خرجت بمكسب الاعتراف بالدولة، الممهّد لقيام الدولة الفلسطينية، ولو بعد حين. كما فضحت الاستعمار الاستيطاني الإلغائي الإسرائيلي، وجعلت من إسرائيل دولة منبوذة حتى من أقرب الحلفاء، ناهيك عن الإنهاك الذي أصابها داخلياً، وسوف نعاين نتائج هذه المرحلة عليها.
الانتصار الحقيقي، كما تثبته كل تجارب التاريخ، هو ما يُقاس بقدرة الشعوب على العيش بحرية وكرامة واستقرار، لا بعدد الصواريخ أو الشعارات التي تُرفع فوق الأنقاض.
عنَت صورة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وهو يتسلّم ورقة اتفاق السلام بين إسرائيل وحماس عودة أميركا إلى قلب الشرق الأوسط، وبرهن ترامب أنه يصنع الأحداث ولا ينتظرها.
أما ما سُمّي بـ«حرب الإسناد»، التي لم تُسند أحداً بقدر ما أضافت جبهة جديدة للمعاناة، فلقد عانت من خلل أساسي، ومن نقص فادح في الذكاء السياسي والقدرة على قراءة الوقائع.
لكن، خلف هذه الصورة اللامعة، تختبئ أسئلة كثيرة:
هل ما وُقّع هو نهاية حرب غزة؟ أم بداية مرحلة جديدة من إدارة الصراع بدل حله؟
هل هو سلامٌ حقيقي، يفضي إلى دولة فلسطينية؟ أم هدنةٌ طويلة تحت رقابة دولية مشددة؟
الطوفان الذي هزّ المنطقة قبل عامين كشف حدود القوة وعرّى وهم “النصر الكامل”.
واليوم، تأتي هذه الورقة لتقول إن الواقعية أقوى من الخطابات، وإن السياسة، مهما تأخّرت، تبقى الطريق الوحيد للخروج من الكارثة.
قد لا يكون الاتفاق مثالياً، لكنه يفتح نافذة بعد ليل طويل.
إنه امتحان للجميع: لحماس التي تخرج مثقلة بالدمار، لإسرائيل التي تواجه عجزها عن الحسم، وللعرب الذين عليهم أن يثبتوا أن الوساطة ليست غطاءً للاستسلام، بل فرصةً للحياة.
لبنان بعد حرب الإسناد: مأساة لم تنتهِ
لكن الصورة الكبرى لا تكتمل دون النظر إلى المأساة اللبنانية التي استمرّت لعامين، ولم تنتهِ في لبنان، حيث تداخلت الحروب وتكرّرت الأخطاء.
تحمّل اللبنانيون تبعات هذا الإسناد من أرواحهم واقتصادهم، فيما بقي القرار الفعلي خارج مؤسسات الدولة.
المفارقة اليوم أن استمرار هذا المنطق نفسه، بعد كل ما جرى، يعني التمسك بخيارات تقود إلى الخراب ذاته، وكأن التجارب لا تعلّمنا شيئاً.
لقد صارت معاناة البشر بلا قيمة في معادلاتهم: “كل شيء يُقاس بلغة الرموز والبطولات، بينما يُدفن الناس في صمت”.
وما لم يتحوّل الوعي من منطق «الانتصار المجرّد من أي فحوى» إلى منطق المسؤولية والكرامة الإنسانية، فستظل الحروب تتكرّر، ويتحوّل الخراب إلى نشيد انتصار جديد.
إن ما يجري في لبنان هو أحد أعراض مرض وحيد: غياب الدولة كمرجعية وحَكَم، وهيمنة منطق التنظيمات الذي يحتكر قرار الحرب والسلم باسم العقيدة أو المقاومة.
ربما آن لحزب الله أن يعود إلى الواقعية، وأن ينظر في المرآة لا في الشعارات.
فبعد كل هذا النزف، لم يعد السؤال عن النصر أو الهزيمة، بل عن القدرة على إنقاذ ما تبقّى من الوطن.
إنّ بيئته هي أول من يدفع الثمن: من أرواح أبنائها، ومن اقتصادها، ومن صورتها بين اللبنانيين والعالم.
فإذا كان الحزب صادقًا في محبته لهذه البيئة، فليجعل مصلحتها أولاً، قبل أي محور أو تحالف أو حساب خارجي.
وليكن لبنان هو البوصلة.
فمن قال إنه يثق بالجيش اللبناني ويحبه، عليه أن يبرهن ذلك بالفعل لا بالقول.
إن ما يجري في لبنان هو أحد أعراض مرض وحيد: غياب الدولة كمرجعية وحَكَم، وهيمنة منطق التنظيمات الذي يحتكر قرار الحرب والسلم باسم العقيدة أو المقاومة.
فالثقة لا تُقاس بالخطابات، بل بفعل حصر السلاح بيد الجيش وبالدولة التي تمثل الجميع.
تسليم السلاح ليس استسلاماً، بل عودة إلى الدولة التي من دونها لا معنى لأي مقاومة.
إنها اللحظة التي يمكن فيها لحزب الله أن يثبت أنه جزء من لبنان، لا فوقه ولا خارجه.
إن الأوطان لا تُبنى بالإنكار بل بالمساءلة، ولا تُحمى بالمزايدات بل بالعدالة، ولا تُعزّز بالهتاف بل بإحياء الكرامة.
إقرأ أيضا: بالصور: نصف مليون فلسطيني عادوا لمدينة غزة المدمرة.. ذكريات تحولت إلى غبار

