في الذكرى الثانية لـ«طوفان الأقصى»: بين صدمة البداية وتداعيات النهاية

طوفان الاقصى

تحلّ الذكرى الثانية لعملية “طوفان الأقصى”، التي أطلقتها حركة حماس في السابع من أكتوبر عام 2023، وسط واقع فلسطيني وإقليمي ودولي متغيّر جذرياً. بعد عامين على ذلك اليوم الذي غيّر موازين الصراع في الشرق الأوسط، تتبدى ملامح مرحلة جديدة اتسمت بإعادة رسم المعادلات العسكرية والسياسية، وبخسائر فادحة على المستويين الإنساني والتنظيمي، خاصة بالنسبة لحركة حماس التي تواجه اليوم واقعاً يوصف من كثيرين بـ”الهزيمة المركبة”.

صدمة البداية: لحظة قلبت الموازين

كانت عملية طوفان الأقصى، في لحظتها الأولى، واحدة من أكثر الأحداث المفاجئة في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. فقد تمكنت كتائب القسام، الذراع العسكرية لحركة حماس، من اختراق التحصينات الإسرائيلية في غلاف غزة، والسيطرة على مستوطنات واحتجاز مئات الأسرى. شكل ذلك الحدث صدمة أمنية وعسكرية لإسرائيل، وأحدث ارتباكاً في أجهزة استخباراتها التي بدت عاجزة عن التنبؤ أو التعامل الفوري مع الهجوم.

إقرأ أيضا: هشام دبسي لـ«جنوبية»: حماس أمام مأزق تاريخي..«إما القبول بخطة ترامب أو منح إسرائيل الذريعة»

غير أن الصدمة لم تقتصر على الجانب الإسرائيلي؛ إذ وجد الفلسطينيون أنفسهم أمام واقع جديد أعاد النقاش حول جدوى المقاومة المسلحة في ظل الانقسام الداخلي، والتراجع السياسي، والضغوط الاقتصادية التي تعيشها غزة منذ أكثر من عقد ونصف.

حرب طويلة وتكلفة باهظة

تحولت العملية سريعاً إلى حرب مفتوحة هي الأطول والأعنف في تاريخ المواجهات بين إسرائيل وحماس. فبينما هدفت الأخيرة إلى فرض معادلة جديدة في الصراع وإعادة القضية الفلسطينية إلى الواجهة الدولية، جاء الرد الإسرائيلي واسع النطاق، مدمراً البنية التحتية للقطاع وموقعاً عشرات الآلاف من الضحايا المدنيين.

تحوّل السؤال من “كيف انتصرت حماس في البداية؟” إلى “كيف ستتعامل المنطقة مع ما بعد حماس؟”

على مدى شهور، واجهت حماس حرب استنزاف متعددة الجبهات — عسكرية، اقتصادية، وإعلامية. وبحلول عامها الثاني، كانت الحركة قد فقدت السيطرة الفعلية على معظم مناطق القطاع، مع تدمير معظم قدراتها العسكرية التقليدية ومحاصرة قياداتها السياسية والعسكرية في الداخل والخارج.

هذه التطورات جعلت كثيراً من المحللين يتحدثون عن “هزيمة استراتيجية” للحركة، حتى لو استمرت بعض جيوب المقاومة المسلحة.

البعد الإقليمي والدولي

لم يكن الصراع محلياً فحسب، بل امتد صداه إلى عواصم القرار الإقليمي والدولي. فقد أثار طوفان الأقصى موجة من التوترات في المنطقة، حيث حاولت أطراف إقليمية – من إيران إلى حزب الله – الموازنة بين دعمها السياسي للمقاومة وتجنب الانخراط المباشر في الحرب.

أما على المستوى الدولي، فقد شهدنا انقساماً واضحاً في المواقف: بين دول غربية دعمت إسرائيل دون تحفظ، وأخرى في الجنوب العالمي طالبت بوقف إطلاق النار وحماية المدنيين.

اليوم تبدو الذكرى الثانية لطوفان الأقصى فرصة للتأمل أكثر من الاحتفال أو الإدانة. إنها محطة لقراءة مسار المقاومة الفلسطينية في ظل التغيرات الجيوسياسية، ولمراجعة الفكرة القائلة بأن السلاح وحده يمكن أن يصنع تحرراً أو دولة

بمرور الوقت، تراجعت الزخمات السياسية التي رافقت الأيام الأولى للحرب، وحل محلها خطاب دولي يدعو إلى “إعادة إعمار غزة” و”إصلاح السلطة الفلسطينية”، في ظل تراجع حماس من المشهد السياسي الرسمي.

إقرأ أيضا: بالتفاصيل.. ما هي المرحلة الأولى من خطة ترامب في غزة؟

وهكذا، تحوّل السؤال من “كيف انتصرت حماس في البداية؟” إلى “كيف ستتعامل المنطقة مع ما بعد حماس؟”.

داخل البيت الفلسطيني

داخلياً، تركت الحرب آثاراً عميقة في النسيج الفلسطيني. فبينما لا يزال جزء من الشارع يرى في طوفان الأقصى “صرخة غضب مشروعة” ضد الاحتلال، يرى آخرون أن الحركة أدخلت غزة في نفق مظلم دفع فيه المدنيون ثمناً باهظاً.

في الضفة الغربية، زاد الانقسام بين السلطة الفلسطينية وحماس، بينما باتت أصوات داخل الفصائل تطالب بإعادة النظر في استراتيجية العمل الوطني برمتها، وربط المقاومة بمشروع سياسي موحد لا بمغامرات فصائلية.

ما بعد الهزيمة: هل انتهت حماس؟

رغم الخسائر الكبيرة التي لحقت بها، لا يمكن الجزم بأن حماس انتهت كلياً. فالحركة، التي نشأت من رحم الأيديولوجيا الدينية والتنظيم السري، أثبتت سابقاً قدرتها على التكيّف مع الأزمات. إلا أن ما تواجهه اليوم يختلف عن كل تجاربها السابقة: تآكل الحاضنة الشعبية، غياب التمويل، انحسار الدعم الإقليمي، وانكشافها أمام المجتمع الدولي كتنظيم لم يعد قادراً على إدارة منطقة أو تمثيل قضية.

خطة ترامب
وعشية الذكرى السنوية لـ”طوفان الأقصى” أعلن الرئيس الاميركي دونالد ترامب عن خطة جديدة لوقف الحرب في غزة، وأظهرت بنود الخطة التي وافقت عليها حماس مرغمة أنها ستخرج من المعادلة الفلسطينية عسكريا، وان ارتدادات طوفان الأقصى تنتهي بهزيمة على كل المستويات، إذا لم يتبق لحماس أي خيار سوى الإستسلام الذي فرضته الآلة العسكرية الإسرائيلية من جهة، والضغوط السياسية من حلفائها _قطر وتركيا_ من جهة ثانية.

إقرأ أيضا: بالتفاصيل: هذه خطة ترامب لغزة.. اليوم التالي في «أيدٍ محترفة»!

واليوم تبدو الذكرى الثانية لطوفان الأقصى فرصة للتأمل أكثر من الاحتفال أو الإدانة. إنها محطة لقراءة مسار المقاومة الفلسطينية في ظل التغيرات الجيوسياسية، ولمراجعة الفكرة القائلة بأن السلاح وحده يمكن أن يصنع تحرراً أو دولة.

وبينما تستمر المعاناة الإنسانية في غزة، يظل السؤال مفتوحاً: هل سيكون طوفان الأقصى بداية النهاية لحماس، أم فصلاً جديداً في صراع لا يعرف الختام؟

السابق
قرارات وزيري الداخلية والعدل في مرمى «الحزب».. حسن فضل الله: أنا أمثل جمعية «رسالات» وقرارك «بلو وشراب ميتو»
التالي
قيادة الجيش: مسلحون أطلقوا قذيفة صاروخية ورشقات نارية على مراكزنا في الشراونة- بعلبك ولا إصابات