لم تكن معاناة اللبنانيين، ولا سيما أبناء الطائفة الشيعية العربية، مجرّد أضرار جانبية لحروب عابرة، بل كانت ثمناً باهظاً لخيارات سياسية وعسكرية اتخذها حزب إيران في لبنان من طرفٍ واحد، وبمعزل عن إرادة شعبه وأهله ووطنه. هذه الخيارات أسقطت عن المقاومة قدسيتها، وحوّلتها من مشروع تحرّر ودفاع مشروع عن الأرض والشعب، إلى أداة هجومية عابثة تخدم مشروعاً إقليمياً لا يمتّ إلى مصالح لبنان بصلة.
إنّ جوهر المقاومة الذي شرّعته المواثيق الدولية قائم على حق الشعوب بالدفاع عن النفس وتحرير الأرض المحتلة، لا على فتح جبهات مغامرة تُجرّ الويلات على المدنيين. إلا أنّ حزب إيران عمد إلى خرق هذه المعادلة، فكانت النتيجة تهجير أكثر من مليون مواطن شيعي من أرضهم وقراهم، وتدمير خمسة وثلاثين بلدة تدميراً شبه كامل، وتحويل مناطق عامرة بالحياة إلى أنقاض صامتة.
التهجير والدمار وثمن الخيارات العبثية
وبدلاً من أن يعود الأهالي إلى بيوتهم بعد انتهاء العدوان، حُرموا من العودة، لأن الحزب استجلب احتلالاً جديداً، وأمعن في استخدام الأرض والناس وقوداً لصراعاته. أكثر من سبعة آلاف شهيد سقطوا، وعشرات الآلاف من الجرحى تركوا بصمات الألم في كل بيت. آلاف المنازل والمحال والمؤسسات التجارية دُمّرت أو نُهبت، بعدما أُطلقت يد بعض زعران الشوارع المستقوين في سرقة ممتلكات المهجّرين، في مشهد يندى له جبين الإنسانية.
ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل ارتكب الحزب جريمة أكبر حين حوّل الأحياء السكنية والمنازل إلى مخازن سلاح وصواريخ، ليجعل من المدنيين دروعاً بشرية، وليضاعف أعداد القتلى الأبرياء. ومع كل هذه الخطايا، لم يخرج من صفوف الحزب أي اعتذار، ولا أي اعتراف بالخطأ، بل استمرّ مسلسل الإنكار، تُرافقه خطابات “الانتصارات الوهمية” التي لم تجلب للطائفة الشيعية إلا مزيداً من الانكسار.
لقد دُفعت الطائفة الشيعية العربية، ومعها لبنان بأسره، إلى دفع أثمان باهظة من دماء أبنائها وخراب عمرانها، فقط لإرضاء الغرور السياسي والعقائدي، ولخدمة مشروع توسّعي إيراني عابر للحدود. ومع أنّ الحزب اضطر في نهاية المطاف لتوقيع اتفاق الهزيمة والاستسلام، ما زال يعيش حالة إنكار تام، مستعداً للتضحية بـ “آخر بيت عامر شيعي” في سبيل المصالح الإيرانية ومشروعها النووي.
أكثر من سبعة آلاف شهيد سقطوا، وعشرات الآلاف من الجرحى تركوا بصمات الألم في كل بيت. آلاف المنازل والمحال والمؤسسات التجارية دُمّرت أو نُهبت،
استعادة القرار الوطني المستقل
الحقيقة المُرّة أنّ ما ارتكبه حزب الله لم يكن مجرّد أخطاء تقديرية، بل خطايا تاريخية بحق لبنان وشعبه، ستبقى شاهداً على كيف يمكن لحزب مسلّح أن يُحوّل المقاومة من راية شرف إلى لعنة تدمير، ومن مشروع وطني جامع إلى أداة فئوية تقود أصحابها إلى عزلة وانكسار.
إنّ التحدي الأكبر اليوم أمام اللبنانيين جميعاً، وخصوصاً أبناء الطائفة الشيعية، هو استعادة القرار الوطني المستقل، ونفض غبار الوصاية الإيرانية، وصياغة مقاومة حقيقية تنبع من مصلحة الشعب والدولة، لا من مشاريع عابرة للحدود.
وحده الاعتراف بالخطأ، والقطع مع سياسة الإنكار، يمكن أن يُعيد للبنان بعضاً من كرامته المهدورة، وللطائفة الشيعية موقعها العربي الأصيل الذي أراد الحزب أن يطمسه خلف دخان الحروب والشعارات الزائفة.
اقرا ايضا: الانقسام يطيّر النصاب النيابي في «الجلسة التشريعية»…وترامب يقترب من صفقة غزة

