الصورة كأداة سلطة وصخرة الروشة لتأكيد السيطرة

منى فياض

لم تعد صخرة الروشة في بيروت مجرّد معلم طبيعي أو رمز سياحي بارز، بل تحوّلت مؤخراً إلى ساحة اختبار لسلطة الدولة. فقرار إضاءتها بألوان مرتبطة بذكرى اغتيال السيدين نصرالله وصفي الدين، جاء رغم رفض رئاسة الحكومة استخدام الفضاء العام دون موافقة السلطة، وإصدارها توجيهات صريحة بمنع الخطوة. ومع ذلك، نُفّذ القرار بغطاء سياسي وأمني، وبمباركة، بحسب وفيق صفا، من رئيس مجلس النواب ومن قيادات في الجيش والأجهزة الأمنية.

الملفت أنّ معركة إضاءة صخرة الروشة، أضاعت البوصلة، وبدل الحزن والحداد على الشهيدين، رفعت راية التحدي والانتقام من الدولة. وبدل الإضاءة على أوجاع الناس المهدّمة بيوتهم والمهدّدين في مستقبلهم، هناك من يريد استعادة تعبئتهم وتحشيدهم خلفه للاحتفاظ بنفوذه وسلاحه. تم نسيان العدو الحقيقي الذي يعتدي يومياً عليهم وعلى لبنان؟

هذا الحدث البسيط في شكله – إضاءة صخرة – كشف عمق الأزمة البنيوية التي يعيشها لبنان: الدولة لم تعد صاحبة القرار في رموزها ولا في فضائها العام. فالحزب، وفق ما أشارت أوساطه، أراد أن يثبت أنّه قادر على كسر إرادة الحكومة (التي يشارك فيها بخمس وزراء للمفارقة!!) وتحت الرايات والأعلام الإيرانية!! لفرض رمزيته في قلب العاصمة، وأن يقدّم الأمر كـ”انتصار” له، ويعبّر عن رغبة في إعادة إحياء انقسام 8 و14 آذار في صيغة جديدة.

الملفت أنّ معركة إضاءة صخرة الروشة، أضاعت البوصلة، وبدل الحزن والحداد على الشهيدين، رفعت راية التحدي والانتقام من الدولة.

الرسالة إلى الداخل والخارج

لم يكن الأمر مجرّد تحدٍّ داخلي، بل هو رسالة إيرانية للخارج، بعد إعلان قاليباف بضرورة تمسك الحزب بسلاحه.

إن الصورة التي خرجت من بيروت إلى العالم لم تكن صورة وطن متماسك يملك قراره، بل صورة بلد منقسم على ذاته، يتنازع فيه طرف مسلّح مع مؤسسات رسمية ضعيفة، فتتبدّد صورة “الدولة” التي تحصر السلاح واستخدامه بيدها. وهذا ما يفسّر لماذا قرأت بعض الصحف اللبنانية الحدث باعتباره انقلاباً رمزياً على قرار الحكومة، بينما احتفت به أوساط الحزب كـ”نصر معنوي على رئيس الحكومة تحديداً”.

إنها ليست قضية صخرة مضاءة وحسب، بل صخرة ألقيت في مياه السياسة اللبنانية الراكدة، فارتسمت دوائرها إلى ما هو أبعد من بيروت: صورة دولة فقدت سيادتها على قرارها، ومجتمع منقسم على ذاته، وسلطة عاجزة عن ضبط حتى الرموز الرمزية.

التمرين الذي قام به حزب الله بإضاءة الصخرة، كشف أن الحزب يعادي الدولة ومواطنيها، وبدل أن يكون الاستعراض موجّهاً ضد العدو الإسرائيلي، وجّهه ضد الداخل، وظهر أن هدف الاستعراض كان في جوهره مواجهة داخلية مع الدولة اللبنانية نفسها. لقد بدا واضحاً أن الهدف لم يكن إسرائيل، بل إثبات القدرة على كسر قرار الحكومة وتهميش مؤسسات الدولة.

لم تُخض المواجهة في الجنوب أو على الحدود، بل في قلب بيروت، وعلى معلم وطني يفترض أن يكون رمزاً جامعاً للبنانيين جميعاً. وهنا تكمن الخطورة: كلما تمسّك الحزب بخطاب “المقاومة”، كلما كشف عملياً أن معركته الأساسية هي مع الداخل اللبناني، وأنه يعتبر بسط سلطته الرمزية على العاصمة “نصراً” أهم من أي مواجهة مع العدو الخارجي.

إن الصورة التي خرجت من بيروت إلى العالم لم تكن صورة وطن متماسك يملك قراره، بل صورة بلد منقسم على ذاته، يتنازع فيه طرف مسلّح مع مؤسسات رسمية ضعيفة، فتتبدّد صورة “الدولة”

المخاطر المقبلة

الخطر الأكبر في ما حصل يكمن في أن هذه الحوادث الرمزية يمكن أن تتحوّل إلى سوابق سياسية. فاليوم صخرة الروشة، وغداً قد تكون معالم أخرى أو مناسبات وطنية أو قرارات سيادية تُكسر بغطاء مشابه. عندها يصبح لبنان أمام واقع تتكرّس فيه قاعدة جديدة: ما يريده الحزب يمرّ، حتى لو وقفت الدولة ضده رسمياً.

وهذا ما ينذر بأنّ كل مناسبة عامة، وكل قرار رسمي، قد يتحوّل إلى اختبار جديد لتوازن القوى، بما يعمّق الانقسام الداخلي ويفاقم انهيار صورة الدولة أمام مواطنيها وأمام الخارج.

اقرا ايضا: بالفيديو: « إصبعو كسرلك راسك».. مراسل «المنار» في كلمات نابية لرئيس الحكومة نواف سلام

السابق
سلام ماضٍ حتى النهاية في ملف «صخرة الروشة».. وقلق سياسي من تهميش لبنان إقليمياً
التالي
«إسرائيل اليوم»: جولة الحرب الثانية مع إيران قد تنطلق في أي لحظة!