لماذا تجاهل الغرب الاعتراف بإقامة دولة فلسطين؟

العمالة الفلسطنية

منذ إعلان دولة فلسطين في الجزائر عام 1988 في المنفى، ومسألة الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية تثير جدلًا واسعًا، خاصة في ظل غياب سيطرة فلسطينية كاملة على الأراضي المعلنة. وبينما اعترفت بها غالبية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، يبقى موقف الدول الغربية الكبرى متحفظًا، مما يثير تساؤلات حول حدود الدولة المعترف بها، وجدوى هذا الاعتراف في ظل الواقع السياسي والميداني القائم.

عند إعلان الدولة الفلسطينية عام 1988، اعترفت بها العديد من الدول، ولكن لم يكن هناك توافق واضح على حدود هذه الدولة. فبعض الدول تعترف بها ضمن حدود ما قبل 1967، في حين تعترف دول أخرى بحدود مختلفة تمامًا. وتفاقم الغموض بسبب عدم سيطرة السلطة الوطنية الفلسطينية على كافة الأراضي المفترضة، سواء في الضفة الغربية أو غزة.

هذا الواقع يطرح سؤالًا مهمًا: ما هي حدود الدولة الفلسطينية المعترف بها؟ وهل يمكن لدولة أن تُعتبر قائمة دون سيطرة فعلية على أراضيها؟

السياق التاريخي: من الانتداب إلى التقسيم

تُظهر خرائط الشرق الأوسط ما قبل عام 1947 أن “فلسطين” كانت تشير إلى الأراضي الخاضعة للانتداب البريطاني، والتي اعترفت بها عصبة الأمم. وفي عام 1947، أصدرت الأمم المتحدة قرارها الشهير رقم 181، الذي ينص على إقامة دولتين: يهودية وعربية، مع تدويل القدس. ولكن تطبيق القرار لم يتم بالكامل، ما سمح لإسرائيل بفرض سيطرتها على معظم الأرض، ووقوع مجازر بحق الشعب الفلسطيني، آخرها مجازر الإبادة في غزة منذ عام 2023 وحتى 2025.

مع تصاعد العدوان الإسرائيلي، خاصة في غزة، بدأ الرأي العام العالمي، لا سيما في أوروبا، بالضغط على حكوماته للاعتراف بدولة فلسطين كوسيلة لوقف الإبادة الجماعية وتحقيق بعض العدالة السياسية. وقد اعترفت كندا وأستراليا وبريطانيا بدولة فلسطين في 21 سبتمبر/أيلول، مما شكّل سابقة جديدة في المواقف الغربية.

الدول التي اعترفت بفلسطين: ماذا تعترف به فعليًا؟

رغم الاعترافات المتزايدة، لا يزال من غير الواضح ما الذي تعترف به هذه الدول تحديدًا: هل تعترف بكيان فعلي قائم؟ أم بمفهوم نظري لدولة فلسطينية مستقبلية؟ الواقع أن السلطة الفلسطينية لا تسيطر على جميع الأراضي، خاصة بعد فقدانها السيطرة على غزة لصالح حركة حماس عام 2007.

والأصعب من ذلك، أن الوضع القانوني لمناطق مثل القدس والضفة الغربية لا يزال غير محسوم، حيث تعتبر إسرائيل القدس عاصمتها “الموحدة والأبدية”، بينما يطالب الفلسطينيون بالقدس الشرقية عاصمة لهم، وفق قرارات الأمم المتحدة.

إشكالية الشرعية والتمثيل

أحد الإشكالات الجوهرية في ملف الاعتراف بدولة فلسطين يكمن في شرعية مؤسساتها السياسية. فالانتخابات الأخيرة جرت عام 2005 للرئاسة، و2006 للبرلمان، ولم تُجدَّد منذ ذلك الحين. ورغم وعود السلطة الفلسطينية بإجراء إصلاحات وانتخابات عامة في عام 2026، إلا أن الشكوك تظل قائمة بشأن تنفيذها، خاصة في ظل الانقسام الفلسطيني بين رام الله وغزة.

رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، أشار إلى أن الاعتراف الكندي جاء مشروطًا بإصلاحات سياسية ومنع مشاركة حماس في الانتخابات ونزع سلاح الدولة الفلسطينية. لكن تبقى الأسئلة قائمة: من يضمن تنفيذ هذه الشروط؟ وهل يمكن إجراؤها في ظل الانقسام والاحتلال؟

فمنذ تأسيسها، عارضت إسرائيل إقامة دولة فلسطينية مستقلة. واليوم، لا يزال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يصرّ على رفض قيامها، معتبراً أنها “تهديد وجودي” و”مكافأة للإرهاب”. كما أكد أن “القدس الموحدة” غير قابلة للنقاش، وهو ما يعقّد فرص التوصل إلى تسوية دائمة.

حالات مشابهة دوليًا: هل الوضع الفلسطيني استثناء؟

الواقع أن وجود دولة غير مكتملة السيطرة ليس حالة فريدة. فالصين لا تسيطر على تايوان، ومع ذلك يُعترف بجمهورية الصين الشعبية عالميًا. وفرنسا تسيطر على جزيرة مايوت رغم إعلان استقلال جزر القمر. ولكن ما يميّز الحالة الفلسطينية هو الاحتلال العسكري المباشر، والانقسام الداخلي، ورفض الجار الأقوى (إسرائيل) الاعتراف بوجودها.

دولة موجودة… ولكن على الورق

تُعتبر دولة فلسطين “قائمة” من الناحية القانونية منذ عام 1988، ومعترف بها من قبل أكثر من 130 دولة. ولكن من الناحية العملية، فإن غياب السيادة الفعلية، والانقسام الداخلي، والاحتلال الإسرائيلي، والتراخي الغربي في الاعتراف الكامل، يجعل الدولة الفلسطينية حلمًا مؤجلاً أكثر منه واقعًا قائمًا.

ومع ذلك، بدأت ملامح تحول دبلوماسي تظهر في الأفق، بقيادة دول الخليج العربي، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، إلى جانب فرنسا، من خلال تشكيل فريق مشترك سعودي–فرنسي يسعى إلى:

  • إعادة طرح مفهوم الدولة الفلسطينية على طاولة الأمم المتحدة.
  • تأكيد الوجود القانوني للدولة الفلسطينية ضمن منظومة القانون الدولي.
  • تعزيز الدعم الدولي لمبدأ إقامة الدولة، رغم الاعتراض الأمريكي العلني والرفض الإسرائيلي القاطع.

يمثل هذا التحرك الخليجي–الأوروبي محاولة جديدة لكسر الجمود الدبلوماسي وإعادة التوازن إلى مقاربة المجتمع الدولي للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. ويُعد بمثابة ضغوط سياسية ناعمة لإعادة الاعتبار للحق الفلسطيني في دولة ذات سيادة، على الرغم من المقاومة الشرسة التي يبديها حلفاء إسرائيل، وعلى رأسهم الولايات المتحدة.

ويبقى السؤال الأهم:هل ستتمكن هذه الجهود المشتركة من تغيير المعادلة السياسية القائمة، ودفع المجتمع الدولي إلى اتخاذ خطوات عملية لإنهاء الاحتلال وتحقيق حل الدولتين، أم سيظل الاعتراف بالدولة الفلسطينية حبيس القرارات الأممية غير المنفذة والوعود السياسية غير المترجمة على الأرض؟

فإلى متى سيستمر الغرب في تجاهل هذا الواقع، خاصة في ظل تصاعد المأساة الإنسانية في فلسطين؟

إقرأ أيضا:نعيم قاسم يتحدى الحكومة.. لن نتخلى السلاح ومعركتنا وجودية!

السابق
الحياة الريفية في الجنوب اللبناني: من البيت الطيني إلى الصالة الفاخرة
التالي
الراعي من القليعة: انتشار الجيش على كامل الجنوب حق سيادي وواجب وطني