ردًا على الكاتبة زينب طحيني: محنة العمامة أم محنة القارئ

محنة عمامة

محنة النص ومحبة القارئ

في حضرة النصوص، ثمة محنةٌ لا تنتهي، لكنها سرّ الدهشة الأولى التي تجعل القارئ شريكًا في الخلق والمعنى. وما بين النصّ ومحبّيه، تولد حوارات القلب قبل حروف الورق. فكل نصّ يولد وفي طيّاته محنته الخاصة، لكنّ هذه المحنة لا تكتمل إلّا بمحبة قارئ يتلقّاه بعين النقد ودفء المودّة.

وما أجمل حين يلتقي النصّ بقراءةٍ صادقة، تُنصفه وتضيء عتماته، وتكشف ما خفي بين سطوره. وما كان لهذا النص أن يُفتح له باب في القلوب لولا المحبة الصافية التي أهدتها إليه الناقدة الفاضلة والأديبة الصديقة زينب طحيني، التي جعلت من قراءتها احتضانًا للنص، وإعلاءً لشأن الكلمة، ووفاءً للمؤلف الذي ما كتب إلّا ليجد في القارئ وطنًا ورفيقًا.

عن محنة العمامة

قرأت بعين المحبة ما كتبته الناقدة الفاضلة والأديبة زينب طحيني عن روايتي محنة عمامة. لقد التقطت من النص ما يطفح غضبًا وما يفيض سخرية، ورأت فيه محنة أخرى تُرهق القارئ كما ترهقه العمامة حين تتحوّل إلى سلطة. ولست أنكر أنّ النص مكتوب بحرارة، وربما بانفعال يسبق التأمل أحيانًا، لكنه انفعال ابن لحظته، لحظة الصرخة التي لا تملك ترف التزيين ولا برودة التحليل.

نصّ خارج التصنيف

لقد اعتادت الكتب أن تُصنّف في خانة الرواية أو الفكر أو النقد، لكن محنة عمامة جاء خارج هذا التصنيف، أقرب إلى بركان لغوي أراد أن يكسّر المألوف أكثر مما أراد أن يجاريه. وهنا تكمن المحنة: أنّ النصّ نفسه يغدو امتحانًا كما هي العمامة امتحان، فمن بحث عن المتعة الروائية لن يجدها، ومن بحث عن الدرس الفقهي لن يعثر عليه، بل سيجد مرآة مشروخة تعكس وجع الكاتب وقلقه.

بين القسوة والذاكرة

إنّ اللغة التي بدت “متقعّرة” في نظر الناقدة، هي في نظري محاولة لبعث ذاكرة غُيّبت، ولإعطاء النص نكهة من التراب والناس، حتى لو جاءت صعبة على القارئ المعاصر. والصرخة التي وُصفت بالهجومية ليست إلا محاولة لتذكير القارئ بأننا غرقنا في هدوء قاتل، وأنّ السخرية أحيانًا أصدق من المواعظ.

شراكة القارئ

وأمام هذا الجدل، لا يسعني إلا أن أقدّر ما ذهبت إليه الناقدة الفاضلة، لأن النقد الصادق لا يزيّن ولا يجامل، بل يضيء ما نغفل عنه نحن الكُتّاب. ولعلّ أجمل ما في قراءتها أنّها اعتبرت القارئ شريكًا في المحنة، لا متلقّيًا ساذجًا. فالنص الذي يُتعب قارئه قد يكون أحيانًا أرحم من النص الذي يُخدّره.

محبة ووفاء

وأنا إذ أكتب هذه الكلمات، لا أفصل أبداً بين الناقدة الصريحة والصديقة العزيزة زينب طحيني التي أعتزّ بقربها وبمحبتها. فالنقد حين يأتي من صديقٍ مخلص يكون أصدق وقعًا وأعمق أثرًا، لأنه يضيف إلى النص روح المودّة، لا مجرّد الملاحظة الباردة.

ختام الشكر

وفي الختام، يبقى الشكر موصولًا لها على قراءتها الجادة وملاحظاتها الصريحة. فالنقد الصادق مرآة لا تقلّ قيمة عن النص نفسه، بل تمنحه حياة أخرى في عين القارئ وفي قلب الكاتب، وتفتح للكتاب دربًا لم يكن ليسلكه لولا عين محبة صادقة.

السابق
وزارة الطاقة تصدر جدولًا جديدًا بأسعار المحروقات.. كيف أصبحت؟
التالي
أسامة سعد بعد انسحاب وفد «الحزب» من مهرجان صيدا: مواقفي ثابتة وليست طائفية