بين الأسطورة والواقع ..«الجنّ» في الذاكرة الشعبية

حكايات من الضيعة

في عام 1983، حين كان الاحتلال الإسرائيلي يثقل أنفاس القرى الجنوبية بالاعتقال والقهر، ويطارد الفتيان من عمر الرابعة عشرة وما فوق، كنا نتوزّع لياليَنا بين بيوت الجدات والأقارب. كل بيت كان ملجأً مؤقتاً يحمينا من مداهمات الجنود. وأنا وابن عمي حبيب اخترنا ملجأً غير مألوف: جبانة البلدة. هناك، بين القبور، وجدنا مكاناً نلوذ به من عيون الاحتلال، وملعباً غريباً لخيالاتنا التي كانت تكبر معنا.

لم تكن الجبانة في عيون أهل القرية مكاناً عادياً، بل عالماً مسكوناً بالأرواح والجن. منذ الصغر، كنا إذا مررنا بمحاذاتها اصطحبنا الكبار، نقرأ ما تيسّر من آيات قصيرة، ونستعيذ بالله من رهبة الليل. كل حفيف شجر، كل ظلّ متحرك، كان يتحوّل في مخيلتنا كائناً غامضاً، فلا نجرؤ على الالتفات. حتى جدّتي كانت تحذّرنا أن نسكب الماء الساخن إلا بعد التسمية، خوفاً من أن يحرق الجن فيغضب.

حكايات الجن

وعند العين، حيث كنا نملأ الجرار مع المغيب، كانت بنت عمّي تروي لنا أن الجن يحتفلون ليلاً عند المياه. كنا نصغي إلى خرير العين، فنسمعه تصفيقاً وغناءً، ونرتجف حتى يعلو صوتنا بآية الكرسي، نغطي خوفنا بالإيمان، ثم نعود مهرولين إلى البيوت.

في تلك الأيام، كان الناس يؤمنون أن الجن هجرت البيوت المأهولة إلى الوديان والعيون. وكانت النسوة أكثر من يتداول قصص الجن والأرواح. جدّتي كانت تستعيذ حين تسمع عواء الكلب ( بالمقلوب ) أو نعيق البوم قرب البيوت، معتبرة ذلك نذير موت أو شؤم . في ليالي الشتاء، كنا نلتف حول كانون الفحم، نستمع إلى الروايات التي تربط الأرواح والجن بحياة الناس وأقدارهم. كان التراث الشعبي يملأ وجداننا برعبٍ مُمزوج باليقين.

وذات ليلة شتوية، كنت وحبيب في الجبانة بعد صلاة العشاء. أنارت لمبة الشارع المعلقة على العمود أطراف الطريق وبعض القبور. فجأة رأينا ثلاث نسوة من أهل القرية، إحداهن الحاجة حسيبة ( جارة جدتي إم شريف في حي القلعة ) ، يقصدن بيتاً قريباً للسهر. توقفن عند حائط الجبانة، وترددن في المرور. رفعت حسيبة صوتها قائلة:

“السلام عليكم يا أهل القبور، السلام عليكم يا أهل لا إله إلا الله”.

وبطفولة لم تخلُ من جرأة، أجبتها بصوت خشن: “وعليك السلام أيتها العبدة الصالحة”.

تجمدت المرأة مكانها، ارتجفت، وبدأت تتمتم بالآيات، طالبةً أن أنصرف. ضحكت وقلت: “أنا السيد توفيق، أبو شريف ، جارك “.

لكنها لم تقتنع. رأت في ما حدث شيئاً يفوق طاقتها، فراحت تستغيث وتردد: “الله يجيرنا، انصرف يرحمك الله”. عندها تدخل ابن عمي حبيب، وألحّ أن أتركها وشأنها. فأضفت:

“ها أنا منصرف، وسلامي لك وللجيران”.

ما إن سمعت كلمة “منصرف” حتى ولّت مسرعةً، وجرّت معها رفيقتيها، تلهج بالاستغفار، وتلعن الساعة التي مرّت فيها قرب الجبانة.

الحكاية تحولت الى اسطورة

انتشرت الحكاية في البلدة، وتحولت إلى رواية شعبية تُحكى في المجالس. ومع كل مرة، كانت القصة تكبر. قالت حسيبة إنها رأت نوراً يصعد نحو السماء، وإن جدي ظهر لها بثوبه الأبيض وطربوشه الأحمر يسلّم على أهل القرية. ومنذ ذلك اليوم، أصبحت حادثتها جزءاً من الذاكرة الجماعية، يتناقلها الكبار والصغار على أنها شهادة لا يرقى إليها شك.

بعد عامين، حين انسحب الاحتلال من النبطية، واجتمعنا في دار جدي، قررت أن أبوح للحاضرين أن ما حدث لم يكن سوى مقلب صبياني. توقعت أن يضحكوا، لكن المفاجأة أنهم رفضوا روايتي تماماً. الحاجة حسيبة وجدت في قولي تطاولاً على تجربتها، وجدتي أيّدت روايتها مؤكدة أن روح جدي كان يزور الدار من قبل. حتى عمي حسين قال بصرامة: “هذه الحكايا حقائق، وإن كنتم أنتم الشباب قد طردتم الجن من الضيعة، إلا أن أجدادنا عاشوا معهم وذاقوا بأسهم”.

أدركت عندها أن الحقيقة ليست ما وقع فعلاً، بل ما يستقر في وجدان الناس. فالحكايات الشعبية، مهما بدت واهية، تتحوّل بمرور الزمن إلى ذاكرة مقدسة، لا يجرؤ أحد على مسّها أو تكذيبها.

تلك الليلة، لم تعد حادثة شخصية عابرة، بل صارت أسطورة صغيرة، تسكن حكايا القرى، وتؤكد أن الأدب الشعبي هو مرآة الوعي الجمعي، يخلط الواقع بالخيال، ويجعل من صوت طفل في الجبانة “سلاماً من روح الأجداد”.

السابق
المجلس الثقافي للبنان الجنوبي: سكوت العالم عن مجزرة بنت جبيل يعرّي موت الأبرياء
التالي
اتفاق تاريخي بين الحكومة والعسكريين المتقاعدين: منح إضافية ومساواة بالتعويضات وخطة لتصحيح الرواتب