الاعتراف الدولي بفلسطين… قبس نور في عتمة القضية

قد لا يكون المؤتمر الذي يُعقد على هامش انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في اليومين المقبلين بقيادة المملكة العربية السعودية وفرنسا، له التأثير الفعلي على الأرض، كونه يحشد ولأول مرة بتاريخ المنظمة الدولية هذا الحشد من الاعتراف الدولي بدولة فلسطين، وخصوصاً من دول غربية وازنة تنكرت سابقاً للاعتراف بالحق للشعب الفلسطيني في دولة مستقلة ذات سيادة على أرضه التاريخية، لاسيما جزء من أرضه، أي على الأراضي التي احتلت عام 1967. ولكن اليوم، وفي هذه الظروف الصعبة لا بل المأساوية التي يمر بها الشعب الفلسطيني وقضيته التاريخية، تُشكل هذه الاعترافات ـ وإن أتت متأخرة ـ قبساً من نور في حالك الظلام الذي يُظلل القضية الفلسطينية في ظل مجازر وحروب إبادة غير مسبوقة في الزمان والصمت الدولي المريع الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني، لاسيما في قطاع غزة بعد عملية السابع من أكتوبر 2023، والتي اتخذتها حكومة نتنياهو اليمينية ذريعة للانقضاض على القضية وعلى الشعب الفلسطيني بهدف إنهاء القضية وتقويض حل الدولتين.

الاعترافات الدولية وإعاقة أميركية – إسرائيلية

ولهذا، ولأن الاعتراف بدولة فلسطين يُعطي بعضاً من حق فلسطيني لشعبٍ مضطهد على مر عقود من الزمن، يُعاني منذ ستة وسبعين عاماً من الاحتلال والاضطهاد والتنكيل، بالإضافة إلى أنه آخر مظاهر حكم التمييز العنصري على مساحة العالم، إلا أنه يُشكل الضوء الذي بدأ يظهر في آخر النفق، على الرغم من الاعتراض الأميركي والإسرائيلي، والذي قد يُشكل المعوق الرئيسي في جعله يدخل حيز التنفيذ الفعلي. إلا أن اعتراف ما يزيد عن مئة وخمسين دولة بحق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة تعيش جنباً إلى جنب مع دولة إسرائيل المغتصبة لفلسطين التاريخية، قد يُشكل نافذة تاريخية على البدء بالاعتراف الحقيقي للشعب الفلسطيني بقيام دولته، وإن كان متأخراً، في الوقت الذي يعمل فيه نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة على تقويض القضية الفلسطينية وإنهائها على الأرض، نتيجة المذبحة المستمرة في قطاع غزة، وما يجري كذلك في أراضي الضفة الغربية التي تخضع لاتفاقية أوسلو والتي يعمل نتنياهو على إلغاء مفاعيلها عبر الضم وبناء المستوطنات التي تجعل من الضفة الغربية جزرًا غير متصلة، وبالتالي يسعى لتقويض حلم الشعب الفلسطيني بقيام دولته.

كل هذا يحدث بتشجيع ودعم من الإدارة الأميركية الحالية في ظل رئاسة الرئيس دونالد ترامب. وهذا ما يقف عائقاً حقيقياً أمام تحقيق حلم الفلسطينيين بقيام دولتهم، على الرغم من الخطوات الجريئة التي تقوم بها دول عديدة تتمرد على الإدارة الأميركية والدعاية الصهيونية وتعترف بدولة فلسطين، أي حل الدولتين، والذي لم تألُ جهداً الدبلوماسية السعودية، وبمؤازرة فرنسية، في تأمين الحشد الدولي غير المسبوق في الاعتراف بدولة فلسطين، ونخص بالذكر الاعتراف البريطاني بدولة فلسطين رغم أنه يعتبره البعض نفاقاً، كون بريطانيا العظمى هي أساس وعد بلفور وقيام إسرائيل على اغتصاب فلسطين وخلق المشكلة الفلسطينية وسبب مأساة الشعب الفلسطيني.

الطريق الدبلوماسية السعودية والمواقف العربية

لهذا، وبالرغم من سوداوية المشهد السياسي والعسكري الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني وقضيته التاريخية، إلا أن ما يحدث في هذه الأيام هو مقدمة للبدء بحل دولي قد يوفر الأسس لقيام دولة فلسطينية على جزء من أراضي فلسطين التاريخية، وقد يكون بداية لتحقيق طموحات الشعب الفلسطيني في دولته الذي ينتظر الكثير من الخطوات العملية والمهمة للوصول إلى هذا المسعى التاريخي المحق.

إذن، قد تكون طريق الدبلوماسية التي تستخدمها المملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى الموقفين الحاسمين والحازمين لكل من جمهورية مصر العربية والمملكة الأردنية الهاشمية في رفض تهجير أهالي القطاع والضفة، أفعل بكثير من كل الهوبرات التي قامت وتقوم بها بعض الدول التي تتخذ من فلسطين وقضيتها شماعة لمصادرة القضية الفلسطينية وأخذها إلى مسارات لن تحقق ما يتمناه الشعب الفلسطيني فعلياً في قراره المستقل وتحقيق طموحاته الفعلية في دولة مستقلة.

اقرا ايضا: بري حسم رئاسة المحاكم الجعفرية بتعيين الشيخ «محمد كنعان»..ماذا عن رئاسة المجلس الشيعي؟

السابق
توم براك: نتانياهو يتجاوز الخطوط الحمراء.. والوضع في لبنان بالغ الصعوبة
التالي
إسرائيل شرّ مطلق