غارة بنت جبيل الأخيرة التي أودت بحياة خمسة مدنيين بينهم ثلاثة أطفال، لم تكن مجرد حادثة عابرة على خريطة الصراع اللبناني–الإسرائيلي، بل انعكاسًا صارخًا للفجوة بين النصوص السياسية والتطبيق العسكري الفعلي.
التوقيت ورسائل القوة
وقع الهجوم في توقيت حساس للغاية، بعد مغادرة الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس بيروت، وخلال تواجد الرئيس جوزيف عون في نيويورك حيث كان يخاطب الجمعية العامة للأمم المتحدة، في إشارة واضحة إلى أن التوازنات الدبلوماسية والإقليمية غالبًا ما تُختبر على أرض الواقع قبل أن تتجسد في سياسات ملموسة تحمي المدنيين.
اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في ٢٧ نوفمبر ٢٠٢٤ وضع إطارًا نظريًا متينًا من خلال وقف الأعمال العسكرية الهجومية، انسحاب القوات الإسرائيلية إلى ما وراء الخط الأزرق، ونشر الجيش اللبناني وقوات الأمن جنوب نهر الليطاني تحت إشراف آلية ثلاثية دولية.
عمليًا، التزام حزب الله بعدم إطلاق صواريخ هجومية كان مؤشرًا على جدية الاتفاق، لكنه لم يحرم إسرائيل من التذرع بتهديدات محتملة لاستمرار الغارات. هذا التباين بين النصوص والتطبيق يعكس منطقًا استراتيجيًا متعارضًا: الالتزام الميداني لأحد الأطراف مقابل الاستغلال الاستخباراتي والسياسي للطرف الآخر لتعزيز نفوذه الإقليمي، ما يجعل المدنيين الحلقة الأضعف في المعادلة.
وقع الهجوم في توقيت حساس للغاية، بعد مغادرة الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس بيروت، وخلال تواجد الرئيس جوزيف عون في نيويورك حيث كان يخاطب الجمعية العامة للأمم المتحدة،
خطاب الاعتذار والوظيفة السياسية
الاعتذار الإسرائيلي بعد الغارة، وبيان الأسف وفتح التحقيق، يعكس نموذجًا مألوفًا من الخطاب السياسي الوظيفي الذي يهدف إلى امتصاص الانتقادات الدولية دون تقديم أي ضمانات حقيقية للمساءلة. في المقابل، فإن خطاب حزب الله يبرر استمرار تسليحه ووجوده العسكري في الجنوب باسم الردع والمقاومة، متجاهلًا تمامًا تبعات ذلك على حياة المدنيين.
هذه الدوائر المتكررة من الخطاب والاعتذار سواء الإسرائيلي أو الحزبي، تُظهر أن الصراع لم يعد مجرد مواجهة عسكرية، بل لعبة سياسية دقيقة بين المبررات الدولية والاستراتيجية الإقليمية، حيث تُترك حماية المدنيين للصدفة أكثر من كونها أولوية.
الدرس السياسي الأبرز يكمن في إدراك أن الموقف اللبناني الرسمي، مهما كان قويًا في الكلمات، يواجه قيودًا عملية على الأرض. فبينما يدين الرئيس عون والحكومة مجزرة بنت جبيل، فإن القدرة على فرض مراقبة فعلية أو منع خروقات مستقبلية تبقى محدودة ما لم يتم تفعيل أدوات التنفيذ على الأرض.
إن الفجوة بين السيادة السياسية والنفوذ العسكري تجعل من كل خرق، ولو اعتذر عنه الطرف الآخر، إشارة على هشاشة التوازن الإقليمي المحلي، وأن الاتفاقات الدولية بدون تطبيق دقيق تصبح نصوصًا ورقية عاجزة عن حماية المدنيين.
خطاب حزب الله يبرر استمرار تسليحه ووجوده العسكري في الجنوب باسم الردع والمقاومة، متجاهلًا تمامًا تبعات ذلك على حياة المدنيين.
نحو آليات تنفيذية فعّالة
من منظور استراتيجي، الحل لا يمر إلا عبر تفعيل آليات تنفيذية ملموسة من خلال:
نشر الجيش اللبناني بشكل كامل وفعّال جنوب نهر الليطاني.
ضمان رقابة استخباراتية مشتركة على العمليات العسكرية.
فتح تحقيقات مستقلة وشفافة تشمل تعويض الضحايا.
إشراك المجتمع المدني والهيئات الحقوقية في التوثيق والمراقبة.
هذه الإجراءات لا تصون المدنيين فحسب، بل تعزز مصداقية الدولة اللبنانية على المستوى الإقليمي والدولي، وتضع حدًا لاستخدام الأطراف للخطاب السياسي كستار لتبرير الانتهاكات.
بنت جبيل إذًا ليست مجرد حادثة مؤلمة، بل يجب أن تكون درسًا لكل الأطراف، حيث إن الأسف بعد الدماء لا يغني عن إرادة سياسية حقيقية. والسلام لا يُبنى إلا عبر حماية المدنيين وضمان تنفيذ الالتزامات الميدانية والرقابية.
هذه المعادلة تعيد النظر في دور كل طرف: إسرائيل، حزب الله، والدولة اللبنانية، وكذلك المجتمع الدولي، في تحديد مستقبل الاستقرار الأمني والسياسي في الجنوب اللبناني. كما توضح أن أي اتفاق دولي بلا تطبيق عملي يظل مجرد شعار لا أكثر.
اقرا ايضا: بالفيديو: مجزرة و5 ضحايا بينهم أطفال في غارة اسرائيلية على بنت جبيل

