في مشهد يعكس حجم التوتر المستمر على الحدود الجنوبية، ألقت طائرات مسيّرة إسرائيلية أمس منشورات ورقية فوق بلدة ميس الجبل، البلدة التي لم يلتئم جرحها بعد من آثار الحرب الأخيرة، إذ ما زال القسم الأكبر منها مدمراً ولم يعد إليها سوى ربع سكانها. التحذيرات الإسرائيلية الجديدة، التي دعت الأهالي إلى عدم تأجير منازلهم لعناصر من حزب الله، تفتح الباب على أسئلة عميقة حول مستقبل الجنوب، وحدود المواجهة بين الحرب الباردة والنار المشتعلة، التي صيب يوميا مواقع الحزب وعناصره.
الجنوب تحت المجهر الإسرائيلي
المنشورات الإسرائيلية الأخيرة ليست مجرد حرب نفسية، بل تعكس ما تنشره وسائل إعلام تل أبيب عن استمرار نشاط حزب الله العسكري جنوب نهر الليطاني. المنطقة التي يُفترض أنها خالية من سلاح الحزب بموجب القرار 1701، ما زالت – بحسب الإسرائيليين – مسرحاً لتحركات أمنية واستئجار منازل تتحول إلى مخازن سلاح.
هذه المعلومات تثير مخاوف أهالي الجنوب اللبناني عامة، الذين يشعرون بأن قراهم تحولت إلى خط مواجهة دائمة، خصوصا بعد الغارات الاخيرة على قرى محيطة بمدينتي صور والنبطية، غير أنهم عاجزون عن التعبير العلني خشية اسلوب الترغيب والترهيب الذي تتقنه القوى الفاعلة على الارض.
إيران تضغط… والجناح العسكري يرفض
مصادر مقربة من حزب الله كشفت لموقع “جنوبية” أن إيران، بعد انفتاحها الأخير على السعودية، تضغط لتليين موقف الحزب حيال مسألة حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية. لكن الجناح العسكري داخل الحزب يرفض أي تنازل، متمسكاً بضرورة بقاء “سلاح المقاومة” باعتباره ضمانة وجودية في مواجهة إسرائيل. هذا التباين بدا واضحاً في خطاب الأمين العام الأخير الذي حمل مبادرة إيجابية تجاه الرياض، لكنها بدت مشروطة ببقاء السلاح، وهو ما فسّره كثيرون بأنه انعكاس مباشر لضغوط العسكر داخل الحزب.
معركة النفوذ على الأرض
في العمق، يتجاوز الأمر حدود بلدة ميس الجبل إلى معركة أوسع على النفوذ: إسرائيل تستخدم الحرب النفسية لتقويض حضور حزب الله بين السكان، فيما يسعى الحزب إلى تثبيت وجوده العسكري والأمني رغم الضغوط الدولية والإقليمية. وبين ضغوط إيران لتخفيف حدة المواجهة ورفض الجناح العسكري لأي مساس بالسلاح، يبدو أن الجنوب سيظل مساحة اختبار مستمرة لتوازن القوى، لا بين الحزب وإسرائيل فحسب، بل أيضاً بين جناحي الحزب السياسي والعسكري.
المشهد في ميس الجبل يلخص المعضلة اللبنانية ـ الإقليمية: قرى منكوبة تبحث عن الأمان وإعادة الإعمار، وإسرائيل تضغط بالمنشورات كما بالقصف، وحزب الله يصر على البقاء لاعباً عسكرياً في كل شبر من الجنوب. ما بين رسائل الطائرات الورقية وخطابات المنابر، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يتجه الجنوب إلى تهدئة تفرضها التسويات، أم إلى انفجار جديد يحسمه السلاح؟
اقرا ايضا: رسائل إسرائيلية من الجو: منشورات تحذيرية في ميس الجبل تحظر تواصل الأهالي مع «الحزب»

