التصعيد الإسرائيلي في الجنوب اللبناني: رسائل نار وتهديدات مفتوحة

kfartebnit airstrike september 18 2025

تشهد الحدود الجنوبية تصعيدًا خطيرًا يعكس توجهًا إسرائيليًا نحو فرض معادلات جديدة بالقوة.

الهجمات الأخيرة تحمل رسائل عسكرية ونفسية وسياسية في آن، تُنذر بانفجار أكبر قد يتجاوز الجنوب إلى عمق لبنان من خلال التالي:

أولًا: الضربات الإسرائيلية ورسائل التهديد للمدنيين

شنت إسرائيل، بتاريخ 18 أيلول الحالي، سلسلة من الهجمات العسكرية استهدفت ما قالت إنها مواقع وبُنى تحتية تابعة لحزب الله في الجنوب اللبناني.

وبحسب بيان جيش الاحتلال، فقد تم إبلاغ الأهالي مسبقًا عبر خرائط ورسائل إنذارية بضرورة إخلاء هذه المواقع، بحجة أنها تحوّلت إلى أهداف عسكرية مشروعة.

كما عاودت إسرائيل، في الأيام التالية، تحذير سكان الجنوب اللبناني من الاقتراب من أي منشأة عسكرية أو مناطق يُحتمل وجود أسلحة فيها، تحت طائلة الاستهداف المباشر.

لكن من الواضح أن هذه التهديدات، وهذه الضربات التي تستهدف قرى وبلدات الجنوب، لا تندرج فقط في إطار عسكري، بل تحمل أيضًا أبعادًا نفسية واضحة، تهدف إلى زرع الرعب في صفوف المدنيين وخلق حالة من الضغط المعنوي عليهم، خصوصًا في ظل الذكرى السنوية الأولى لبدء تهجير الآلاف من الجنوبيين بسبب العدوان الإسرائيلي.

ويُذكر أن الضربات التي نُفذت خلال العام الماضي، استهدفت بشدة البنية التحتية والفوقية للحزب، وأسفرت عن مقتل أمنيين عامين في الحزب، إضافة إلى قياديين في “قوة الرضوان”، ناهيك عن احتلال مواقع استراتيجية لا تزال تحت سيطرة الاحتلال حتى اليوم. كما طالت هذه الضربات أكثر من أربعين قرية حدودية، مما أدى إلى إنشاء منطقة عازلة فعلية بين الحدود اللبنانية والفلسطينية.

ثانيًا: الرد الإسرائيلي على موقف الحكومة اللبنانية

تأتي هذه الضربات في سياق رد فعل مباشر على الخطة التي أقرتها الحكومة اللبنانية مؤخرًا، والتي تنص على سحب سلاح حزب الله من مناطق الجنوب.

إلا أن هذه الخطة، بحسب المصادر الإسرائيلية والأمريكية، تفتقر إلى آلية تنفيذ واضحة، ولا تحدد جدولًا زمنيًا محددًا لسحب السلاح، ما يُعد – بنظر إسرائيل – فرصة لحزب الله لإعادة تموضعه العسكري في المناطق الحساسة.

من هذا المنطلق، يبدو أن الضربات الإسرائيلية تهدف إلى فرض أمر واقع جديد على الأرض، ورسالة واضحة للحكومة اللبنانية بأنها لن تنتظر التفاهمات الداخلية أو الدولية، بل ستتحرك بشكل استباقي ضد ما تعتبره تهديدًا أمنيًا مباشرًا.

ثالثًا: استهداف قدرات الحزب وإمداداته

من جهة أخرى، تشير الضربات المتكررة إلى أن إسرائيل ترصد تحركات ميدانية تشير إلى إعادة بناء حزب الله لقدراته العسكرية، وتحديدًا في المناطق الحدودية.

وتُظهر هذه الهجمات أن تل أبيب تسعى إلى قطع طرق الإمداد والتموين الخاصة بالحزب، في محاولة لجرّه إلى رد فعل مباشر، يبرر لها شنّ عملية عسكرية واسعة النطاق، ربما تطال الضاحية الجنوبية أو غيرها من المناطق الحساسة.

هذا السيناريو، الذي تحاول إسرائيل دفع الحزب إليه، قد يكون مدخلًا لتوسيع الحرب وتحويلها من مجرد تصعيد ميداني إلى حرب شاملة.

رابعًا: التأثير على البيئة الحاضنة

تحاول إسرائيل من خلال هذه الضربات زعزعة البيئة الاجتماعية التي لا تزال تؤمّن لحزب الله حاضنة شعبية قوية.

فالاستهداف المتكرر للبنية التحتية، وخلق حالة من التهجير المستمر، والضغط النفسي على السكان، يهدف إلى تحويل البيئة المؤيدة للحزب إلى بيئة ناقمة عليه، خاصة إذا استمرت الأوضاع المعيشية والاقتصادية في التدهور نتيجة التصعيد.

في المقابل، يحاول الحزب شدّ العصب الداخلي عبر خطاباته النارية، والتهديد بالرد، واستحضار لغة “المواجهة الكبرى” مع العدو الإسرائيلي، في محاولة لتثبيت شرعيته ووجوده المسلح.

خامسًا: الضغط على الدولة والجيش

واحدة من أهم أهداف هذه الهجمات الإسرائيلية هي الضغط على الدولة اللبنانية، وعلى الجيش تحديدًا، لدفعهم نحو اتخاذ خطوات مباشرة ضد حزب الله.

تحاول إسرائيل فرض أجندة سياسية وأمنية خاصة، تُفضي إلى تنفيذ الخطة الدولية لسحب سلاح الحزب، حتى وإن أدى ذلك إلى صدام داخلي بين الجيش والمقاومة.

بمعنى آخر، تريد إسرائيل أن يتحول الصراع من مواجهة بينها وبين الحزب، إلى صراع داخلي لبناني، تنفجر فيه التناقضات بين مؤسسات الدولة والمقاومة، وهو ما يُضعف الطرفين ويفتح الباب أمام مزيد من التدخلات الخارجية.

لبنان بين فكي التصعيد الإسرائيلي والانقسام الداخلي

نحن اليوم أمام مرحلة مفتوحة على احتمالات شديدة الخطورة، حيث تحاول إسرائيل فرض معادلة جديدة بالقوة، عنوانها القصف والتدمير والتخويف، لكنها تخفي في جوهرها محاولة تغيير قواعد اللعبة السياسية والأمنية في لبنان.

ما يجري في الجنوب ليس مجرد ضربات محدودة، بل هو محاولة لفرض حالة فوضى مدروسة، يُراد منها تهيئة الأرض لتغييرات جذرية في موازين القوى.

السيناريوهات المحتملة لمستقبل المواجهة

في المقابل، يواجه لبنان تحديًا داخليًا كبيرًا: هل يستطيع الحفاظ على تماسكه السياسي، وتوازناته الداخلية، واستقلال قراره الوطني، أم أن الانقسام الداخلي سيمنح إسرائيل الذريعة والفرصة لتكريس هيمنتها؟

لبنان أمام مفترق خطير، وأي خطوة غير محسوبة، سواء من طرف الدولة أو من طرف المقاومة، قد تفتح أبواب جهنم على البلد والمنطقة بأسرها.

إقرأ أيضا: قرار الحكومة بشأن خطة الجيش: انتصار للحكومة أم للثنائي الشيعي؟

السابق
الموفد السعودي بن فرحان يختتم جولته في بيروت بلقاء نواف سلام.. وعشاء سياسي!
التالي
الحزب المحشور يستنجد بالرياض.. والسعودية تحيله إلى الدولة