نُقل عن رئيس الحكومة نواف سلام قوله في ذكرى استشهاد الرئيس بشير الجميل، إن المصارحة والمصالحة هي الطريق لخلاص لبنان.
هذا الشعار هو شعار رفعه نيلسون مانديلا بعد سقوط نظام حكم التمييز العنصري في جنوب إفريقيا. وقد كان جزءاً من البرنامج الذي اقترحته منذ سنوات لإنقاذ لبنان.
لطالما تكلمت عن هذا الموضوع في المحافل اللبنانية المختلفة، وهو جزء من برنامج طرحناه للإعداد لاستراتيجية وطنية لإعادة بناء السلام بعد النزاع في بلدنا.
وجد نيلسون مانديلا أن المحاسبة بعد نهاية النظام العنصري في بلاده ستُقيم حرباً أهلية. واعتبر أن العدالة بالنسبة لشعبه هي في الاعتذار الذي يقدمه الحكام البيض لشعبه، والإقرار بخطأ التمييز العنصري، والمصالحة في إطار بناء وطن يتساوى فيه المواطنون من دون تمييز.
الاعتذار الغائب بعد الحرب الأهلية
اعتبرنا نحن أن ما حصل خلال الحرب الأهلية كان سياسة وطنية خاطئة. فكمال جنبلاط وحلفاؤه اندفعوا خلف إيديولوجيا العروبة ولم يكن هدفهم حرباً طائفية. كما أن الكتائب وحلفاءها اتخذوا التوجه الطائفي للدفاع عن الوجود والسيادة الوطنية. وعليه، اعتبرنا أن من الضروري أن يُقرّ القادة الذين شاركوا في الحرب بأخطائهم التي جلبت المآسي للشعب. فيعتذرون عما قاموا به، فيتخلّوا عن دورهم لمصلحة جيل جديد يعيد إرساء نظام وطني يكرّس المصالحة الوطنية.
وقد اعتبرنا أن هذا الأمر كان حاجة ماسة منذ اتفاق الطائف وإقرار الإصلاحات الدستورية. كان من الضروري أن يخرج أمراء الحرب بكل جرأة، فيقولوا: عفواً وعذراً لما جنته أيدينا من سفك دماء أهلنا وأحبتنا، وأننا سنترك لجيل جديد مهمة تنفيذ الإصلاحات الدستورية.
لم يتم ذلك فماذا حصل؟
شرحنا في المقالة السابقة أنه لم يتم استكمال اتفاق الطائف ولا الإصلاحات الدستورية. لم نضع الملامة على أمراء الحرب، بل على حافظ الأسد والنظام البعثي في سورية. وقلنا إن هذا النظام خرج من لبنان عام ٢٠٠٥، ورغم ذلك لم يتم استكمال الإصلاحات بسبب الدور الإيراني من خلال حزب الله.
نحن نذكر، ولا شك، محاولة وليد جنبلاط من خلال حكومة الرئيس السنيورة، الانقلاب على هذا الواقع، وما تبعه من هجمة لحزب الله في بيروت والجبل، ومحاولة اغتيال الوزير مروان حماده والاغتيالات الأخرى التي تَبِعت.
ندرك أن الواقع فرض تسوية برعاية خارجية أدت إلى اعتذار وليد جنبلاط عن موقفه، وذهاب الجميع إلى الدوحة وإقرار المحاصصة. وقد شكّل ذلك التحول تأكيداً واعترافاً باستمرار لبنان ساحة حرب.
خرج حزب الله بعد التسليم له بالمقولة الشهيرة: “الشعب والمقاومة والجيش”، التي وصفها الرئيس ميشال سليمان بالمعادلة الخشبية. وانتهى كل حلم منذ ذلك الحين باستكمال تطبيق الإصلاحات الدستورية.
من الضروري أن يُقرّ القادة الذين شاركوا في الحرب بأخطائهم التي جلبت المآسي للشعب. فيعتذرون عما قاموا به، فيتخلّوا عن دورهم لمصلحة جيل جديد يعيد إرساء نظام وطني يكرّس المصالحة الوطنية.
سلاح حزب الله بين التسليم والفرض
اليوم، وبعد أن أنهت إسرائيل الحرب لمصلحتها وانتهى الدور “المقاوم” لحزب الله، وخرجت إيران مهزومة، يدور صراع كبير حول موضوع تسليم حزب الله سلاحه أو سحبه منه. اختارت الحكومة التي تمثل كل الأحزاب التي تمسك زمام البلاد منذ بداية الحرب الأهلية، مؤخراً، فكرة تسليم السلاح الطوعي وليس سحب السلاح. يقولون إن وليد جنبلاط جاء بمخرج يحوّل سياسة الحكومة من سياسة فرض سحب السلاح إلى سياسة تسليم السلاح طوعاً.
بغض النظر عن أسباب وآثار هذا القرار، فإن استكمال الحكومة إخراج لبنان من ساحة الحروب (استعادة السيادة) يفترض وجود نية صادقة لدى حزب الله بتسليم سلاحه. فإذا كان إعلان قادته رفض تسليم السلاح جدياً، فمعنى ذلك أن التبديل في سياسة الحكومة هو تسليم آخر لفكرة إبقاء إيران شريكاً في المحاصصة السياسية الداخلية، حتى يقرر الخارج أمراً آخر.
وعليه، ما معنى أن يعلن الرئيس سلام الآن عن المصارحة والمصالحة؟
لم يعد هذا المبدأ مهماً بعد اتفاق المحاصصة في الدوحة منذ عام ٢٠٠٨. لم يعد الأمر مسألة طائفية، بل استسلاماً من قادة الأحزاب الطائفية لإيران وحزبها وحلفائها في إبقاء لبنان حتى الآن ساحة حروب وسفك دماء. فما هي الفائدة من المصارحة والمصالحة؟
لذلك، بإسم المواطن اللبناني الحر: نحن نطالب بالعدالة. العدالة تُقرّر كيف يُعاقب من سفك دماء اللبنانيين.
اقرا ايضا: علي حمادة لـ«جنوبية»: القمة العربية الإسلامية في الدوحة موجّهة لـ«واشنطن» والوساطة القطرية مجمّدة

