في السادس عشر من أيلول من كل عام، يحتفل قلة من اللبنانيين بذكرى انطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، رداً على الاحتلال الإسرائيلي للبنان ودخوله إلى العاصمة اللبنانية بيروت عام ١٩٨٢.
لقد أجبرت العمليات العشرة الأولى للجبهة جيش الاحتلال الإسرائيلي على تنفيذ خروج مذل من العاصمة اللبنانية بيروت، بعد عشرة أيام على دخوله، إذ كان مذياع جيش الاحتلال يصرخ في الشوارع بأعلى صوت: “يا أهالي بيروت لا تطلقوا النار علينا، نحن منسحبون”. كما أجبرته عمليات الجبهة على الإنسحاب إلى نهر الأولي باكراً في أيلول ١٩٨٣، كما كان لعمليات الجبهة الدور الأساس في إجبار العدو على الإنسحاب والتراجع إلى الشريط الحدودي عام ١٩٨٥.
لكن احتدام الصراع الأهلي والاقتتال الطائفي بين اللبنانيين أدّيا إلى تراجع دور الجبهة في مقاومة الاحتلال بعد انسحابه إلى الشريط الحدودي.
العوامل الداخلية والخارجية في تراجع الجبهة
وكل عام تنتشر مقالات وتقارير حول الجبهة، حول أهمية الانطلاقة وأثرها السياسي، وعما أنجزته كما تتحدث عن التحديات والصعوبات التي واجهتها خلال عملها المقاوم، إلا أن نادراً ما يثير أحدهم المعوقات والظروف الذاتية التي لعبت دوراً مهماً في تراجع دور الجبهة، ومنها خروج الأحزاب الوطنية من العمل السياسي العلني بين الناس، مقابل انطلاقة كبيرة لعمل القوى الطائفية مباشرة في الوسط الجماهيري، إلى جانب العوامل الخارجية لبنانياً وإقليمياً.
وهذا العام، تمر الذكرى والكيان اللبناني يمر بأسوأ الظروف منذ إنشائه عام ١٩٢٠. ويدور الحديث والتباين في الآراء وصولاً إلى التهديد بحروب أهلية جديدة بشكل واسع، من دون الوعي بما يدور حول لبنان من مشاريع إقليمية وغربية.
بعد إقامة السلطة الفلسطينية، شكّلت المستوطنات الإسرائيلية نحو ٤% من أراضي الضفة الغربية، ومن المتوقع أن تشكل ٧٠% من أراضي الضفة الغربية خلال العام ٢٠٢٦، والقرارات الإسرائيلية الأخيرة توضح الأمر بشفافية.
المشروع الصهيوني وخطر التوسّع
لقد حسم الكيان الصهيوني أمر إعلان مشروعه الحقيقي الذي أقره المؤتمر الأول للحركة الصهيونية الذي انعقد في بال – سويسرا عام ١٨٩٧، بالعمل على إقامة كيان صهيوني كبير يضم كامل الكيانات المحيطة به ومنها الكيان اللبناني. وهذا المشروع لم يعد مجال نقاش، لأن الغرب الاستعماري حسم الموضوع بعد إعلان الرئيس الأميركي ترامب أن مساحة الكيان الصهيوني الحالية غير كافية ليقوم بمهامه كقاعدة متقدمة للغرب الاستعماري.
إنه مشروع للغرب أصلاً، وإسرائيل أداة تنفيذية له.
من متابعة الوضع اللبناني، نلاحظ أن أكثرية اللبنانيين لا تعي هذا الأمر، ولم يُجرِ أي نقاش بين المكونات اللبنانية حول ما قد يحصل بها عندما ينجح الغرب الاستعماري بتحقيق هذا المشروع عبر قاعدته المتقدمة في المنطقة.
في لبنان يجري النقاش حول نسبة من يريد سحب السلاح ونسبة من يريد الإبقاء عليه وأثر كل خيار على كل مكون لبناني، وإمكانية أن يكون خيار الحرب الأهلية مشروعاً واقعياً إذا تمت مساندته من الخارج.
غزة والضفة والمرحلة المقبلة
يمكن ملاحظة غياب الوعي حول حرب الإبادة الجارية في غزة والقرارات التي يجري تنفيذها في الضفة الغربية، ويحاول البعض النظر إلى ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ وكأنها السبب لما يجري حالياً.
عند قراءة ومتابعة الوضع الفلسطيني، يعي المتابع أن ما كان يحصل في الضفة الغربية قبل ٧ أكتوبر ليس أقل من عملية إبادة للوجود الفلسطيني متدرّجة وغير معلنة وغير معروفة لدى غالبية الدول الأخرى. حرب الإبادة في غزة هي حرب جرى التخطيط لها قبل ٢٠٢٣ للسيطرة على القطاع واقتلاع أهله. وأن سيطرة المستوطنين على الضفة الغربية تسير وفق خطة إسرائيلية منذ أكثر من ربع قرن، وازدادت وتيرة السيطرة بعد عام ٢٠٢٢.
لقد بلغت مساحة المستوطنات عام ٢٠٢٣ نحو ٤٠% من الضفة الغربية، كما كشفت عملية ٧ أكتوبر عملية الإبادة غير المعلنة للوجود الفلسطيني في الضفة الغربية.
بعد إقامة السلطة الفلسطينية، شكّلت المستوطنات الإسرائيلية نحو ٤% من أراضي الضفة الغربية، ومن المتوقع أن تشكل ٧٠% من أراضي الضفة الغربية خلال العام ٢٠٢٦، والقرارات الإسرائيلية الأخيرة توضح الأمر بشفافية.
إن ما حصل وما يحصل حالياً ليس بسبب ٧ أكتوبر، بل يأتي في سياق عمل دولة الكيان على استكمال ضم بقايا أرض مشروع “أرض إسرائيل الصغرى” إلى دولة الكيان ومنها الجنوب السوري والجنوب اللبناني، وإنهاء القضية الفلسطينية وانتقال دولة الكيان إلى مرحلة جديدة، مرحلة بدء العمل من أجل إقامة دولة إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل.
من جهة أخرى أعلن النظام السوري الحالي رغبته بالسلام والتطبيع مع الكيان الصهيوني بدون أن يلقى أي استجابة، لأن إسرائيل وهي تسعى لتحقيق مشروعها الكبير تعمل على توسيع الكيان أولاً ليضم جنوب لبنان والبقاع الغربي وجنوب سورية. وبعد ذلك يسعون إلى التطبيع وتوقيع اتفاقيات سلام، وهو سلام ظرفي وليس سلاماً دائماً ونهائياً مع الدولة السورية.
لذلك يسعى الكيان لتأجيج الوضع في الجنوب السوري لإقامة كيان درزي ملتحق به عبر السيطرة عليه، وجعل جنوب لبنان منطقة غير آمنة ولا يمكن السكن فيها وتكون تحت سيطرته الأمنية والعسكرية. وهذا ما نلاحظه يومياً. وكل هذه السياسة تعني الاستيلاء على جنوب سورية والسيطرة على جنوب الليطاني.
ونسمع كثيراً حول الخلافات الداخلية الإسرائيلية حول هذا الموضوع، لكن يبدو أن الخلاف تكتيكي، إذ هناك خوف عند بعض السلطة الإسرائيلية من خسارة الرأي العام الدولي جراء الإسراع في تنفيذ مشروع الإبادة في غزة وضم الضفة الغربية، والاستيلاء على جنوب سورية والسيطرة على جنوب لبنان.
في لبنان يلاحظ غياب الوعي أو تجاهل المعرفة عند جميع أطراف السلطة وعند الجمهور اللبناني بشكل عام. إذ أن معظم أطراف السلطة وملحقاته يراهن على الدور الأميركي الذي يعلن مندوبه أن لا ضمانات للتصرفات الإسرائيلية المستمرة بالتدمير، على الرغم من كل التنازلات التي قدّمتها الجهات اللبنانية المعنية. وأن معظم ما تم تدميره من قبل العدو الإسرائيلي حصل بعد وقف إطلاق النار. ويسعى المندوب الأميركي، وبعد إنهاء الوجود المسلح جنوب الليطاني، إلى تنفيذ مطلب تجريد السلاح شمال الليطاني وهو بند لم يكن ضمن اتفاق وقف إطلاق النار. كما أن إسرائيل لم تلتزم بالانسحاب وأبقت على وجودها المسلح في نقاط عديدة وأقامت تحصينات على الأراضي اللبنانية، في ظل صمت السلطة وعدم المبادرة بإعادة الإعمار.
إسرائيل وهي تسعى لتحقيق مشروعها الكبير تعمل على توسيع الكيان أولاً ليضم جنوب لبنان والبقاع الغربي وجنوب سورية. وبعد ذلك يسعون إلى التطبيع وتوقيع اتفاقيات سلام،
في ذكرى انطلاقة جبهة المقاومة الوطنية هذا العام، وهي الجبهة التي كانت رداً على الاحتلال الإسرائيلي، من الضروري التفكير ملياً وبوعي بما يحصل. فإذا تم حصر السلاح أم لم يتم، فإن دولة الكيان ستكمل سياستها باستكمال بناء أرض إسرائيل الصغرى. وبالتالي يصير السؤال مشروعاً: كيف سنواجه هذا المشروع كلبنانيين من جميع المكونات، لأن الخطر سيكون وجودياً على جميع اللبنانيين. وستحاول دولة الكيان تنفيذ مشروعها بالقوة والدمار وبتعميق الانقسامات اللبنانية بغياب المواطنة.
إنها صورة قد تبدو تشاؤمية، لكنها واقعية مع وضوح الخطة الإسرائيلية الساعية لتنفيذ مشروع الغرب الاستعماري لبناء شرق أوسط جديد على حساب شعوبه.
ألم يحن الوقت للتفكير ملياً كيف ندافع عن الكيان اللبناني وبأي وسائل ممكنة؟
اقرا ايضا: «جمول»..من شرارة المقاومة الوطنية إلى انكسارات الوهم المذهبي

