في لحظة كانت تُمثل منعطفًا محوريًا في مسار التهدئة في غزة، تعرضت قيادة حركة حماس في الدوحة لهجوم مفاجئ وصفته قطر بـ”الضربة الجنونية”. الهجوم نُفذ بينما كانت القيادة مجتمعة لمناقشة المقترح الأمريكي الذي قدمته إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، والذي تضمّن “صفقة تهدئة” بضمانات شخصية منه. وبحسب الورقة الأمريكية، كان المقترح يسعى إلى حلحلة الأزمة في غزة مقابل تعهدات أمنية وسياسية واقتصادية للطرفين.
لكن هذه المبادرة الدبلوماسية، التي رعتها قطر سياسيًا وأمنيًا، انقلبت فجأة إلى مشهد دموي عندما نفذت القوات الجوية الإسرائيلية ضربة جوية استهدفت موقع الاجتماع، مما عرض الدوحة والمنطقة بأكملها لمخاطر جسيمة، إضافة إلى ما بدا أنه تصفية جسدية مباشرة لأعضاء الوفد القيادي لحماس، في محاولة مكشوفة لتقويض المفاوضات قبل أن تبدأ فعليًا.
الغموض حول مصير القادة: روايات متضاربة وتكتم مريب
عقب الضربة، بدأت المعلومات تتسرب بشكل متناقض. ففي الوقت الذي أكدت فيه إسرائيل، بثقة تصل إلى 80%، أن الضربة حققت أهدافها، امتنعت الدوحة عن تأكيد أو نفي مقتل أي من القادة الكبار لحركة حماس. في المقابل، اقتصرت حماس على إعلان أسماء عدد من الشهداء، ممن تم تشييعهم في مقابر قطرية رسمية، دون أن يكون بينهم أي من “الأسماء الثقيلة” في الحركة، وهو ما أثار الشكوك حول حقيقة ما جرى.
أما الأوساط السياسية والإعلامية فتابعت هذا الغموض بحذر. فبينما كانت إسرائيل تسارع عادة إلى التفاخر بأي “صيد ثمين” في مثل هذه العمليات، بدا لافتًا أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو التزم الصمت، ما يدلّ على وجود ضغوط سياسية أو حتى ندم تكتيكي نتيجة التهور غير المحسوب للعملية.
كما أثارت قناة الجزيرة موجة من الجدل عندما نشرت صورة للأمين العام لحركة حماس، خليل الحية، وهو المسؤول الأول عن ملف التفاوض، في محاولة واضحة لنفي مقتله. لكن سرعان ما تبين أن الصورة قديمة، وتعود لفترة كان فيها الحية يتلقى العلاج إثر كسر في ساقه. وبحسب خبراء ومحللين مختصين في تحليل الصور، تعود اللقطة إلى فترة رئاسة إسماعيل هنية للحركة، وهو ما أضعف مصداقية النفي وأعاد إشعال الشكوك.
في الوقت الذي أكدت فيه إسرائيل، بثقة تصل إلى 80%، أن الضربة حققت أهدافها، امتنعت الدوحة عن تأكيد أو نفي مقتل أي من القادة الكبار لحركة حماس.
صمت ثلاثي: إسرائيل لا تؤكد، الدوحة لا تنفي، وحماس تختفي
الواقع الميداني والسياسي المعقد أفرز معادلة ثلاثية الصمت:
* إسرائيل لا تؤكد مقتل القادة، رغم بداياتها المتفائلة.
* قطر تلتزم الغموض ولا تصرّح بمعلومات حاسمة.
* حماس لا تُخرج قادتها إلى العلن، حتى من البيوت الآمنة أو المنصات الإعلامية.
هذا الصمت المشترك يعزز فرضية أن الضربة لم تحقق هدفها الأساسي، أو أن النجاة حصلت بالفعل لكن في ظروف أمنية لا تسمح بالإعلان. وهو ما يقود للتساؤل حول ما إذا كانت القيادة اختارت الانسحاب مؤقتًا من المشهد العلني كإجراء احترازي، أم أن هناك تنسيقًا سريًا بين الدوحة وواشنطن لإخراج بعض القادة إلى مواقع أكثر أمنًا، وربما إعادة تنظيم الصفوف في ظل تصعيد إسرائيلي غير مسبوق.
وتسري معلومات بأن الولايات المتحدة مارست ضغوطًا مباشرة على نتنياهو عقب تنفيذ العملية، خاصة بعد اتصال هاتفي وصف بالحادّ بينه وبين ترامب، الذي عبّر عن امتعاضه من تنفيذ الضربة دون تنسيق. ويُعتقد أن واشنطن شعرت بأن الخطوة الإسرائيلية قوضت مساعيها في التهدئة، وحرجت الحليف القطري الذي يرعى قنوات الاتصال بين الأطراف.
أبعاد إقليمية ومخاوف من استهداف خارج الدوحة
في حال بقيت قيادة حماس على قيد الحياة، فإن عدم ظهورها للعلن يعكس خطورة الوضع، ويشير إلى أن نتنياهو لا يزال مصرًا على استكمال التصفيات، سواء في الدوحة أو في أماكن أخرى، خصوصًا تركيا. إذ أن إسرائيل باتت تتصرف بدون ضوابط قانونية أو أعراف دبلوماسية، ما يفتح الباب أمام مواجهة إقليمية، قد تكون أكثر اتساعًا مما تتصوره تل أبيب نفسها.
من هنا، تُطرح بقوة فرضية وجود ترتيبات أمنية جديدة بين واشنطن والدوحة لحماية قيادات حماس، وإخراجهم إلى دول أخرى أكثر أمنًا، أو على الأقل ضمان عدم استهدافهم داخل قطر، منعًا لانهيار الثقة الدولية في الدوحة كوسيط نزيه.
تسري معلومات بأن الولايات المتحدة مارست ضغوطًا مباشرة على نتنياهو عقب تنفيذ العملية، خاصة بعد اتصال هاتفي وصف بالحادّ بينه وبين ترامب، الذي عبّر عن امتعاضه من تنفيذ الضربة دون تنسيق.
ارتدادات الضربة في ميزان التحولات الدولية والإقليمية
العملية العسكرية الإسرائيلية في الدوحة لم تكن مجرد ضربة أمنية تستهدف قادة ميدانيين؛ بل كانت محاولة سياسية لتصفية مسار تفاوضي ترعاه قطر، وتُباركه قوى دولية كبرى. لكنها أيضًا شكّلت نقطة اختبار لمواقف العواصم الإقليمية والدولية، التي باتت مطالبة بإعادة تقييم تحالفاتها، ومواقفها من الصراع في غزة، ودورها في حماية الاستقرار الإقليمي.
توقيت العملية، وغموض نتائجها، والتكتم على مصير القادة، كلها مؤشرات على تصدع في بنية الثقة بين إسرائيل وواشنطن، وتزايد الرغبة الدولية في كبح جماح التطرف الإسرائيلي، خاصة في ظل حكومة يمينية تعيش على خطاب الدم والمواجهة. كما أنها تعيد التأكيد على الدور القطري كمحور توازن حساس في المنطقة، رغم المخاطر التي ترافق هذا الدور.
في النهاية، إن هذه الحادثة تُنذر بتحولات كبيرة في قواعد الاشتباك، وتضع جميع اللاعبين الإقليميين والدوليين أمام مسؤولياتهم، في لحظة تاريخية تتطلب مراجعة شاملة للاستراتيجيات، وإعادة رسم خارطة المصالح والتحالفات في منطقة تتغير مع كل طلعة جوية أو اتصال دبلوماسي.
اقرا ايضا: مسؤول قطري كبير ينجو من هجوم الدوحة.. والحديث في إسرائيل بات عن ما بعد الفشل

