التضليل سيد الموقف ومن جميع الأطراف. الولايات المتحدة تلعب لعبة الوسيط بين لبنان وإسرائيل وتقترح مشاريع حلول دون أن تلتزم بشيء تحت شعار أنها لا تستطيع الضغط على إسرائيل، بينما في الحقيقة هي الخصم والحكم. وكلما قدم لها لبنان تنازلًا طالبت بتنازل أكبر بحجة مطالب إسرائيل. وكل همها هو انتزاع أكبر قدر من التنازلات من لبنان دون تقديم أي ضمانات. وكان المطلوب من لبنان نزع سلاح حزب الله، ثم المطالبة بمنطقة عازلة محدودة، ثم إلى منطقة صناعية تلغي عشرات القرى عن الخارطة اللبنانية بحجة حماية بضعة مستعمرات من الخطر، بينما الأسهل هو ترحيل هذه المستعمرات إلى الداخل. وإذا وافق لبنان على تلك المطالب، فستطالب إسرائيل بأن تختار هي نوع الصناعات وأسماء العمال المسموح دخولهم إلى تلك المنطقة، وحقها بتعيين الجهاز الإداري والحراس وأوقات العمل، ثم حقها بوضع أجهزة المراقبة… هذه اللعبة لن تنتهي مع العدو مهما قدم لبنان من تنازلات.
ضمانات مفتوحة واستراتيجية دفاعية ملتبسة
في الجانب الآخر، فإن حزب الله يمارس ذات لعبة التمويه. فهو يشترط وجود ضمانات. وموضوع الضمانات قد يأخذ دهرًا من الزمن، فهذه الضمانة بحاجة إلى ضمانة تضمنها، وهذا الضامن غير موثوق. كما أن تجربة الشعوب مع الوعود الأميركية والإسرائيلية لا توحي بأي ثقة، وضمان عدم الاعتداء على مخيمي صبرا وشاتيلا لا تزال ماثلة أمامنا. ثم وإن قدمت ضمانات ووافق عليها الحزب، فلديه خط دفاع آخر وهي الاستراتيجية الدفاعية. وهنا تكمن عقدة العقد، فبقدر ما يبدو هذا المطلب منطقيًا وطبيعيًا وعادلًا، إلا أنه حمال أوجه، ومن الممكن أن تحتشد تحت هذا العنوان آلاف التفاصيل التي قد تقود إلى عكس الهدف المطلوب. فتحت هذا العنوان تتجمع تفاصيل خطط الدفاع والأسلحة والعناصر والكمائن، وسيراوغ الحزب أشهرًا وسنوات حتى يصل إلى نتيجة خلاصتها أن أفضل خطة دفاعية ممكنة هي أن يتولاها الحزب بقواه الذاتية ولكن بتمويل ودعم الدولة اللبنانية مع علاقة شكلية بالجيش اللبناني.
هذه الخلاصة ممكنة التحقيق لو كان الحزب انتصر في الحرب الأخيرة وكانت إسرائيل تناشد العالم لإيجاد أي حل يرفع عنها سيف الحزب، ولكن واقع الأمر مختلف. وسيجد الحزب الأعذار لعدم تسليم السلاح؛ فأي اشتباك يحصل في سوريا سيكون كافيًا لإيقاف أي تقدم بموضوع تسليم السلاح، وأي طائرة إسرائيلية تخرق الأجواء اللبنانية ستكون حجة كافية لعدم الالتزام. وتجربة الحزب وتنصله من التزاماته ما زالت طازجة، وهو كما إسرائيل وافق على شروط قاسية عندما حشر بالحرب وتنصل منها لاحقًا. والمأساة أن كلا الطرفين، الحزب وإسرائيل، يلتقيان على التمسك ببقاء سلاح الحزب كما هو. وكلما قبل أحد الطرفين بتقديم تنازل ما، صعّد الطرف الآخر مطالبه.
حزب الله يمارس ذات لعبة التمويه. فهو يشترط وجود ضمانات. وموضوع الضمانات قد يأخذ دهرًا من الزمن، فهذه الضمانة بحاجة إلى ضمانة تضمنها، وهذا الضامن غير موثوق.
المأزق اللبناني والجيش كضمانة أخيرة
الحزب لا يمكن أن يوافق على تسليم سلاحه بدون قرار إيراني واضح، وإسرائيل يناسبها الاستمرار بتصفية قيادات الحزب وكوادره مع احتمال اللجوء إلى اغتيال القيادات السياسية أيضًا. الوضع الدولي لا يوحي بأي حلول، والتهديد سيد الموقف. وهذا الوضع يناسب كل المتضررين من قرارات الحكومة الإصلاحية، وهذه فرصة لهم لاعتراض هذه الإصلاحات. ويبدو أن اصطفاف الرئيس بري مع الحزب ليست بعيدة عن إيحاءات أميركية تمهيدًا ربما إلى حرب قادمة تهدف إلى توجيه ضربة قاضية للحزب وفقًا للمخطط الأميركي، وتريد من الرئيس بري مواكبة مسيرة الحزب إلى أن يحين موعد قطف الثمار.
وسط هذه الأجواء فإن التحرك بأي اتجاه له خسائره. وربما الخروج من هذا المأزق بأقل الخسائر الممكنة هو الأفضل. وفي وضع لبنان الراهن فإن الجيش هو المؤسسة الوحيدة الضامنة للأمن والاستقرار ووحدة البلد، والحفاظ على هذه المؤسسة وتجنيبها أي خسائر مسألة حيوية من الضروري مراعاتها. وإذا كانت أي مواجهة مع الجيش ستدمر السمعة السياسية لمن يقوم بهكذا عمل، إلا أن وضع البلد لا يحتمل هكذا مواجهة.
الحزب لا يمكن أن يوافق على تسليم سلاحه بدون قرار إيراني واضح، وإسرائيل يناسبها الاستمرار بتصفية قيادات الحزب وكوادره مع احتمال اللجوء إلى اغتيال القيادات السياسية أيضًا.
نزع سلاح الحزب مطلب أميركي–إسرائيلي فليتولياه هما شأنه، وهو مطلب معظم الشعب اللبناني ليتمكن من بناء دولة طبيعية، وبإمكان هذا الشعب تحمله فترة أطول.
اقرا ايضا: خطاب بري: انعكاس لمأزق لبنان والطائفة!

