خطاب بري: انعكاس لمأزق لبنان والطائفة!

في الوقت الذي كان اللبنانيون عامة والشيعة خاصة ينتظرون خطاب الرئيس نبيه بري في الذكرى 47 لتغييب الإمام موسى الصدر علَّه يشفي غليلهم وظمأهم لمعرفة مصيرهم القريب والبعيد، إذا به يأتي مخيبًا للآمال وصادمًا من حيث الشكل والمضمون، وهو ما لم يتعوده الناس منه، خصوصًا في الأيام المصيرية التي يمر بها لبنان حاليًا.

خطاب تقليدي في ظرف استثنائي

بدا الخطاب وكأنه مرآة تعكس حجم وطبيعة المأزق الذي يعيشه لبنان بشكل عام والطائفة الشيعية بشكل خاص، فمن حيث الشكل كان الخطاب أقل من عادي ومختصرًا بحيث لم تتجاوز مدته 14 دقيقة، كذلك في المضمون كان تكرارًا للمواقف التي نقرؤها في الصحف والمواقع الإخبارية، وهو ما يعكس حجم التخبط – إن لم نقل العجز – عن مقاربة المشاكل والاستحقاقات مقاربة واقعية تنفذ إلى أعماقها لاستنباط الحلول التي باتت ملحّة.

حيث إن كلامه اقتصر على التشخيص للحالة الراهنة من ناحية عدم التزام العدو الصهيوني باتفاقية وقف إطلاق النار، واستمرار الاعتداءات، وهو أمر معروف للقاصي والداني، الذين يريدون سماع حلول لهذه المشاكل والاستحقاقات بدل التلهي بمشاكسات ومماحكات سياسية وتسجيل نقاط بين الأطراف السياسية الداخلية على طريقة “فالج لا تعالج”، وهي ممارسات كان لها اليد الطولى في وصول البلد إلى ما وصل إليه.

أزمات داخلية وضغوط خارجية

اليوم ولبنان على أعتاب جلسة حكومية هامة ومصيرية بعد قرارات 5 آب الماضي التي فوَّضت الجيش اللبناني إعداد خطة تنفيذية لقرار حصرية السلاح بيد الدولة، وبعد التصعيد الذي قام ويقوم به حزب الله سواء في الشارع أم في الإعلام، بلغ حدّ تهديد الشيخ نعيم قاسم بـ”حرب كربلائية” لمنع تطبيق القرار الحكومي، فإن الأنظار كانت متجهة إلى الرئيس بري، خصوصًا بعد تطورات الأيام الأخيرة وزيارة المبعوثين الأميركيين المخيبة للآمال، التي جاءت “مدججة” بوفد من صقور الكونغرس الأميركي، لمحاولة أقله “تبريد” الجبهة الداخلية عبر موقف جريء ومسؤول يفضي إلى الخروج من الانسداد في موضوع حصرية السلاح.

فجاء الخطاب ليعيد إنتاج تجارب سابقة عبر الدعوة للحوار تحت عنوان جديد بدل الاستراتيجية الدفاعية التي تحولت إلى استراتيجية الأمن الوطني، وهي تجارب ثبُت فشلها سابقًا، فضلًا عن أن تطورات السنة الأخيرة قد تخطتها، ما يعكس حجم المأزق الذي تواجهه الطائفة الشيعية بواجهتها السياسية التي يمثلها الثنائي، ما يعمّق بطبيعة الحال من المأزق الاجتماعي الذي تواجهه البيئة الشيعية جراء الدمار والتهجير والخسائر التي تكبدتها جراء حرب الإسناد، وقبلها ممارسات الثنائي السياسية ومسؤوليته في ما آل إليه الوضع في البلد، ومن ثم المكابرة والإنكار في التعامل مع نتائج الحرب الأخيرة.

وهي مآزق تترك آثارها على الوضع العام في لبنان بطبيعة الحال، ما يدعو إلى القلق من التطورات المقبلة خاصة مع استمرار وتزايد التغول الصهيوني سواء في اليمن أو غزة والضفة الغربية كما في سوريا ولبنان.

بين تشدد نتنياهو وخطاب المقاومة

فهل يكون شهر أيلول طرفه بـ”الحرب” مبلول؟

سؤال مشروع وسط التشدد المتبادل بين بنيامين نتنياهو المدعوم أميركيًا الذي يشترط تنفيذ كل مطالبه التي تقارب حدّ الاستسلام اللبناني قبل أن يشرع هو بتنفيذ أي التزامات، وبين الشيخ نعيم قاسم “المدعوم” إيرانيًا والذي بدوره يدعو لوقف العدوان وتحرير الأرض والأسرى وبعدها ينظر في ما ستؤول إليه قضية السلاح، في محاولة من الطرفين لـ”الاستخفاف” بعقول اللبنانيين ومصالحهم وفرض أجنداتهم عليهم، ما يضع لبنان بين “شاقوفين” لا نجاة له منهما، إلا بالالتفاف حول مشروع الدولة الطبيعية على صعوبة وطول المسار إليها ووعورته، الأمر الذي يتطلب شجاعة في الرأي والقرار من كل الأطراف الداخلية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان، بعيدًا عن لغة التخوين من جهة والتنمر السياسي – بحسب الرئيس بري – من جهة أخرى، فالحلقة تضيق والتاريخ لا يرحم.

اقرأ أيضا: حصرية السلاح في جلسة يوم الجمعة.. واستقدام الدعم العربي بدل الضمانات الأميركية

السابق
كارثة جوية.. سقوط طائرة شراعية في جبل حريصا!
التالي
أسرار الصحف المحلية الصادرة اليوم الثلاثاء 2 أيلول 2025