عقد “منتدى جنوبية” لقاءً حواريًا مع الكاتب والصحافي السياسي حازم صاغية تحت عنوان “المنطقة بعد مرحلة الميليشيا”، وذلك في مكتب موقع “جنوبية” في بيروت، مساء أمس الثلاثاء بتاريخ 26 آب الجاري. أدار اللقاء الشاعر نبيل مملوك، بحضور عدد من الصحافيين والوجوه الإعلامية والشخصيات المهتمة بالشأن السياسي، لا سيما في الطائفة الشيعية.
وكان من أبرز الحاضرين الأساتذة: حارث سليمان، سيمون كرم، ساطع نور الدين، شذا شرف الدين، أحمد عياش، لارا نبهان، يوسف مرتضى، نوال الحوار، كميل موراني، حازم الأمين، مجيد مطر، بشار حيدر، حسن فحص، أحمد إسماعيل، محمود وهبي، علي قشمر، حسين الأمين، إيلي يوسف، أحمد ياسين، علي الأمين، وسام الأمين.
استهل اللقاء بكلمة لرئيس تحرير موقع “جنوبية” الصحافي علي الأمين، الذي رحب بالحضور وأثنى على الدور الفكري المميز للصحافي الكبير حازم صاغية. بعدها، قدم مملوك عرضًا لأبرز إسهامات صاغية في مجال الفكر والصحافة، كما استعرض إشكاليات النقاش والمواضيع المطروحة على الساحة السياسية، التي وصفها بأنها مصيرية للبنان وللطائفة الشيعية برمتها، انطلاقًا من أحداث السابع من أكتوبر 2023 وصولًا إلى الوضع الراهن والمتغيرات الجذرية التي طرأت على البنى المجتمعية والسياسية.
وتساءل مملوك: “إلى أين ستذهب المنطقة، وأي مستقبل للبنان؟” فاتحًا بذلك باب النقاش أمام صاغية، الذي بدأ مداخلته بطرح رؤية نقدية شاملة حول المرحلة الراهنة.

مستقبل بلا عنوان!
بداية توقف صاغية عند عنوان اللقاء قائلًا: “حين نعرّف المرحلة بأنها ما بعد الميليشيا، فهذا يعني أننا لا نعرف ماهية المرحلة المقبلة، لأن التعريف السلبي (ما بعد) يفترض غياب التعريف الإيجابي لما سيأتي”.
وأشار إلى القلق الكبير في المشرق العربي حيال القدرة على بناء دول وطنية بديلة عن الميليشيات، متسائلًا: “هل هناك حياة سياسية حقيقية بعد الميليشيات؟”.
وأضاف أن اندحار النفوذ الإيراني في المنطقة وضع الجميع أمام مسؤوليات كبرى، حيث بات من المتعذر الاستمرار في إلقاء اللوم على إيران كعائق أمام قيام الدولة الوطنية، من دون أن يعني ذلك أن دور طهران انتهى بالكامل. وأوضح أن المرحلة الحالية تفتتح زمن “المسؤولية الذاتية”، ما يفرض على الجماعات المحلية التحول إلى “جماعات وطنية متماسكة قادرة على بناء مجتمع ودولة”، وهذا يستدعي نقاشًا حول عقد اجتماعي جديد يحدد طبيعة العلاقة بين المكونات اللبنانية، إضافة إلى القضايا الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية.
ولفت إلى أن الهويات الصغرى، أي الهويات الما دون الدولة كالطائفية والإثنية والدينية، التي كانت موجودة دائمًا، شهدت في العقود الماضية انتعاشًا كبيرًا حتى تضخمت وأصبحت تمتلك أنظمة خاصة بها في السياسة والاقتصاد والتعليم والثقافة. وأضاف: “أمام هذا الواقع، صار من الصعب ضبط هذه الهويات ضمن إطار الدولة الوطنية”، وضرب مثالًا بالأكراد في سوريا، مشددًا على ضرورة أخذ هذا البعد الهوياتي في أي صيغة لدولة وطنية.

الدعوة إلى اللامكان!
رأى صاغية أن الدعوات لاندماج هذه الجماعات في الدولة الوطنية تبدو “دعوة إلى اللامكان”، لأنها تفتقد إلى تصور واضح عن شكل الدولة الوطنية المطلوبة. وتابع: “مقولة الدولة تحمينا جميعًا تبدو أشبه بزجل لأنها لا تجيب عن الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالعلاقات الاجتماعية بين الجماعات”، داعيًا إلى نقاش جدي حول صيغة الاجتماع اللبناني.
وانتقد الوضع السوري كمثال، قائلًا: “كيف يمكن مطالبة الجماعات في سوريا بالانضواء في دولة أحمد الشرع والخضوع لها، من دون أن يُسمح لأحد بفتح فمه، لأن لا وجود لبديل مطروح؟”.
كما تناول تجربة انتفاضة 2019 في العراق، مشيرًا إلى أن المشاركين كانوا في معظمهم من الطائفة الشيعية، في حين لم تنخرط الطوائف الأخرى، مما يعكس عمق الانقسام. واعتبر أن هذا دليل على أن “السياسة ما زالت محكومة بالجماعة لا بالمواطنة”.
أيديولوجيا الطائفة!
تحدث صاغية عن تفاقم الانتماء الطائفي، معتبرًا أن المرحلة الراهنة تكشف عن وضوح أكبر في الانتماء الطائفي مقارنة بالماضي، الذي كان يتسم بـ**”خجل الطوائف”**، وهو مصطلح استقاه من المفكر أحمد بيضون. وأوضح: “اليوم صار الانتماء الطائفي الخام أيديولوجيا بحد ذاته”.
وضرب مثالًا بالنقاش بين جماعات الهويات الصغرى: “الشيعي يدخل النقاش كشيعي، والسني كسني، والمسيحي كمسيحي، فكيف يمكن إنتاج نقاش حقيقي في ظل غياب أي بعد ثقافي أو اجتماعي آخر؟”.
وأضاف أن الدولة اللبنانية لطالما كانت قائمة على تقاطعات الطوائف، فإذا كانت هذه التقاطعات قوية كانت الدولة قوية، والعكس صحيح، أما اليوم “فالتقاطع ضعيف جدًا، وبالتالي الدولة ضعيفة”.

معضلة إسرائيل!
خصص صاغية حيزًا من مداخلته لمناقشة معضلة العلاقة مع إسرائيل، واصفًا إياها بأنها “أزمة مستقبلية”، متسائلًا: “ماذا يريد لبنان من العلاقة مع إسرائيل؟”.
وأشار إلى أن اختلال التوازن في القوة بين إسرائيل والعرب، وتفاقم الكراهية لها بسبب الجرائم في غزة، يجعل من الصعب رأب الصدع، خصوصًا بعد أن أصبحت إسرائيل موجودة على أبواب الشام ولها موطئ قدم في بعض الجماعات. وأضاف أن إسرائيل تنظر إلى نفسها كمهندسة للمنطقة بعدما تكبدت أثمانًا للوصول إلى هذه المرحلة، وهي تريد ثمنا سياسيًا كبيرًا، ما يربك أي محاولة للتسوية.
وأكد أن إسرائيل لا تكتفي بتطبيق القرار 1701، بل تسعى إلى ما هو أبعد من ذلك، مما يطرح تحديات كبيرة على المجتمعات في المنطقة.
فكرة الغرب بين الأمس والحاضر!
انتقل صاغية للحديث عن علاقة الغرب بالمنطقة، مشيرًا إلى تجارب تاريخية مثل دستور ماك آرثر في اليابان بعد الحرب العالمية الثانية، ومشروع مارشال لإعمار أوروبا، والإصلاحات التي فرضتها الولايات المتحدة على شاه إيران عام 1966.
وقال: “ذلك الغرب لم يعد موجودًا اليوم، فما نراه هو تأييد للنظام السوري رغم جرائمه، وهو ما يعكس أن النظرة الغربية أصبحت أمنية بحتة، بحيث يكفي أن يضمن الحاكم الأمن ليستمر في السلطة، بغض النظر عن احتجاجات الشعوب”.
وختم صاغية بالدعوة إلى “كفّ النزاعات والتوترات قدر الإمكان وإبقائها ضمن حدود معينة”، مشددًا على ضرورة عقد لقاء دولي للبحث في مشاكل المنطقة وصياغة كيان سياسي أكثر ملاءمة لشعوبها، لكنه عبّر عن تشاؤمه من إمكانية حدوث ذلك في المدى القريب، محذرًا من مخاطر الانفجار بين الجماعات إذا لم يُعاد النظر في البنى القائمة، معتبراً أن إقامة دولة وطنية في الظروف الحالية “شبه مستحيلة”.

فولكلور وطني عديم النفع!
وبعد كلمة المحاضر، جرى نقاش وطرح اسئلة من قبل الحضور اجاب عليها صاغية بالقول إن المرحلة الحالية أنهت حقبة كاملة من التجارب الفكرية والسياسية والتنظيمية، “بغض النظر عن رأينا في تلك الحقبة”، مشيرًا إلى أن أطرافها لا تقوم بأي مراجعة نقدية حتى الآن. وأوضح: “كان من المعتاد أن يعترف طرف بخطئه أو يقرّ بالندم، لكن اليوم نجد أن كل الأطراف تسعى لتبرير مواقفها السابقة وإظهارها في خانة الصواب، وصولًا إلى القول إنها الآن على صواب أيضًا”.
وأكد أن تراكم الأخطاء السياسية أودى بالبلاد إلى الانهيار، معتبرًا أن “غياب المراجعة وانعدام النقاش الجاد في القضايا الوطنية يوحي وكأننا مأخوذون بفولكلور وطني فارغ، يقوم على أوهام أن لبنان سيُبنى تلقائيًا من تلقاء نفسه”.
وأضاف أن الحقبات الماضية منذ تأسيس لبنان عام 1943 كانت تحمل في طياتها “نواة نقاش فكري كبير على كل المستويات”، بينما اليوم لا يوجد نقاش جدي وحقيقي حول المسائل الجوهرية التي تمس الكيان اللبناني، معتبرًا أن “الأطراف السياسية تهتم بما تقوله العواصم الإقليمية والدولية أكثر مما تهتم بصياغة رؤيتها الداخلية”. وطرح السؤال: “رأي العواصم مهم، لكن ما هو رأينا نحن في قضايانا؟”، محذرًا من أن هذا الغياب يشي بانعدام الفعالية اللبنانية للتأثير على الدول الكبرى وفرض رؤية متماسكة للبنان.


