تظهر المشهدية التي ترسمها الزيارات الأميركية المتلاحقة إلى لبنان، وما يقابلها من مواقف رئاسية لبنانية، أن قرار الحكومة حصر السلاح بيد الدولة دخل مرحلة التنفيذ الفعلي، ولو على وقع اعتراضات “حزب الله”. فسياسة “الخطوة خطوة”، التي رفضها الشيخ نعيم قاسم في خطابه الأخير، تتحول اليوم إلى برنامج عمل واضح: بدءاً من جمع السلاح غير الشرعي وصولاً إلى تثبيت انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية.
وفي هذا الإطار، ثمّن لبنان مواقف الوفد الأميركي الذي شدد على ثلاث قواعد أساسية لإنقاذ البلد: ضبط الأمن عبر حصرية السلاح والقرار العسكري بيد الدولة وحدها، تحفيز الازدهار الاقتصادي عبر الاستثمار والابتكار ودور القطاع الخاص، وصون الديمقراطية التوافقية بما يحفظ الشراكة بين مكونات المجتمع اللبناني في إدارة الدولة. وهي قواعد أعاد البيان الرئاسي من قصر بعبدا التأكيد عليها كمنطلق لرؤية مشتركة مع واشنطن.
زيارة براك الى الجنوب واحتجاج “الاهالي”
على الأرض، حملت زيارة المبعوث الأميركي توم براك أبعاداً رمزية وسياسية. فبعد هبوطه في ثكنة فرنسوا الحاج في مرجعيون على متن طوافة عسكرية، ألغى براك محطاته في صور والخيام إثر احتجاجات قام بها “الأهالي” في المدينتين، رُفعت خلالها صور ضحايا الحرب، رفضاً لما وصفه المحتجون بـ”السياسات المنحازة” لواشنطن، وغني عن القول ان هذه الاحتجاجات مرتبطة بالحملة التي يشنها حزب الله على المبادرة الاميركية التي تتمحور حول الية حصر السلاح داخل اجهزة الدولة، عبر ورقة المبعوث براك التي تطالب الحزب بتسليم سلاحه للدولة اللبنانية كشرط اساسي لتمديد وقف اطلاق النار بين لبنان واسرائيل.
رغم ذلك، تابع براك جولته باتجاه الحدود اللبنانية – الإسرائيلية، حيث اطلع على المنطقة التي يُطرح أن تحتضن مشروع “المنطقة الاقتصادية باسم الرئيس ترامب”، ما أضفى بعداً اقتصادياً مثيراً للجدل على الزيارة.
وفي موازاة الجولة، بث “الإعلام الحربي” التابع لـ”حزب الله” شريط فيديو ظهر فيه نعيم قاسم بالزي العسكري، مرفقاً بمقتطفات من خطابه الأخير الذي شدد فيه على أن الحزب “لن يسلم سلاحه”، في تحدٍ مباشر لقرار الحكومة الأخير.
اليونيفيل… تمديد أميركي بلا تردد
أما في ملف القوات الدولية، فحسم براك الموقف بإعلانه أن **واشنطن ستصوت لصالح التمديد لعام واحد لقوات اليونيفيل**، ما يعني أن الدعم الدولي لاستقرار الجنوب اللبناني مستمر، ولو أن هذا القرار قد لا يرضي الحزب وحلفاءه.
النووي الإيراني… مأزق بلا اختراق
في موازاة الساحة اللبنانية، شهدت جنيف اجتماعاً بين ممثلي إيران وفرنسا وألمانيا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي من دون نتائج تُذكر. غياب التقدم يعزز احتمال لجوء الأوروبيين إلى تفعيل آلية “سناب-باك” وإعادة فرض عقوبات مجلس الأمن الدولي على طهران بحلول 31 آب، إذا لم تستجب لمطلبين أساسيين، الاول استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة حول “الاتفاق النووي”، والثاني السماح لمفتشي الأمم المتحدة بالوصول إلى المنشآت النووية والمخزون المخصب بنسبة 60%.
وزارة الخارجية الإيرانية ردت سريعاً مؤكدة أن “المطالب الإيرانية بخصوص رفع العقوبات والحقوق النووية نُقلت بوضوح”، محذرة من أن أي خطوة أوروبية باتجاه إعادة العقوبات “ستتحمل تبعاتها الدول المعنية”.
لبنان بين الضغط والفرص
تتضح الصورة إذاً، فواشنطن ترفع منسوب الضغط على “حزب الله” عبر تكريس معادلة “السلاح للدولة”، فيما تحاول في الوقت نفسه رسم مسار اقتصادي بديل. وفي المقابل، يلوح في الأفق تهديد إقليمي أكبر مع اقتراب ساعة الحسم الأوروبي تجاه إيران.
لبنان يقف في لحظة دقيقة، بين التزامات دولية تتعهد بانتشاله من أزمته، وبين تحديات داخلية يمثلها إصرار الحزب على إبقاء سلاحه خارج سلطة الدولة. أما المشهد الإقليمي، فإن انفجار جبهة العقوبات مع إيران سيضيف عبئاً إضافياً على الساحة اللبنانية التي تترقب موجات ارتداد لا مفر منها.
اقرأ أيضا: باراك وأورتاغوس يقدمان وعودا لدعم نزع السلاح..واليونيفل أداة ضغط إضافية

