وجيه قانصو يكتب لـ «جنوبية»: الشرّ ثمرة تفاهة.. لا فعل أشرار!

ندوة كتاب وجيه قانصو

لم يواسِ الفيلسوف كارل ياسبرز شَعبَه الألماني بالمأساة التي حَلَّت به، كونه وَجَد في الشعور بالاستضعاف والمظلومية مدخلاً للعزلة وتفاقم العدوانية المنافية لروح المسؤولية. ما فعله أنه واجه أُمَّتَه بمسؤوليتها، لا عن شيء فعلوه فحسب، بل عن شيء لم يفعلوه وكان يجب أن يفعلوه لمنع الأمور من الوصول إلى حد الكارثة الإنسانية.

إنه الذنب الذي يقف فيه الإنسان لوحده أمام جريمته الباطنية ويلقي به على تخوم وجوده القصوى التي تساءله عن معنى وقيمة وجوده. هو ذنب لا ينفك عنه بالتوبة أو الكفارة أو النذور والأدعية، كونه يطال كيانيته الإنسانية، بل ينفك بيقظة باطنية وتحول جوهري لذات الإنسان، يؤهله شق مسار حياتي ومجتمعي جديد يقوم على حساسية باطنية شديدة ضد أي انتهاك مهما صغُر وخَفِيَ.

كلام ياسبرز حرك في حنة أرندت التفكير بحقيقة الشر ومنابعه، التي سَعَت إلى فهم وتفسير كيف يتسبب أشخاص بانتهاكات وفظاعات رغم عدم خبثهم الباطني وانتفاء النوايا الشريرة لديهم. لتخلص إلى أن الشر لا تحركه النوايا الخبيثة أو الإرادات المنحرفة، بقدر ما تولده أوضاع يخلقها الإنسان لنفسه، يكون فيها الإنسان مستلب الفكر والوعي وفاقد الإحساس بمسؤولية ما يفعله.

هي لحظة تبدأ حين يُعرض الإنسان عن الاختلاء بذاته والإنصات إلى نفسه، ويفقد الدراية والوعي بحقيقة ما يفعله، ويقتصر كل همه على الانصياع لما يملى عليه من الخارج.

هذا يعني أن الشر أثر ونتاج لوضع إنساني مصطنع يقيم جداراً عازلاً بين الإنسان ونفسه، تتعطل معه قدرته على التمييز بين ما هو صواب وخاطئ، ويفقد معها الشعور بالمسؤولية أو الوعي بخطورة ومآلات ما يفعله. فالشر ببساطة هو إيجاد بشر مستلبين عاجزين عن الوعي بما يجري حولهم وعن اتخاذ القرار ويأنسون بمن يتخذه عنهم. يخافون من حريتهم بل يهربون منها لما تتستوجبه من عبء تحمل مسؤولية ما يفعلونه، ويلقون عبء تقرير مصيرهم على غيرهم، وينصاعون لتعليمات وإملاءات خارجية باندفاع متحمس، رغم عدم فهمهم ما يملى عليهم.

الشر ببساطة هو إيجاد بشر مستلبين عاجزين عن الوعي بما يجري حولهم وعن اتخاذ القرار ويأنسون بمن يتخذه عنهم

يحصل هذا حين يتم تعطيل حيوية مجتمع (أو جماعة) وتفكيك العلاقات الحرة والفاعلة بين أفراده، وتحويلهم إلى جماهير مبعثرة يمكن تفريقها بسهولة وحشدها بسهولة أكبر من دون أن تملك قرار تفرقها أو تجمعها. حينها يفقد الفرد وعيه الذاتي ووجوده الخاص المتميز، ولا يعود يستشعر نفعه أو قيمته أو معنى لوجوده إلا بتلبس هوية جمعية (حزب) أو عصبية متوترة (مذهب) أو طوبابويات مفبركة أو عقائد آسرة أو أيديولوجيات زائفة، تعوض عليه فقدان معنى ذاته وهامشية وجوده، لكنها بالمقابل تزيده اغتراباً عن نفسه وتنكراً لكيانيته الإنسانية وبعداً عن حقيقته الوجودية.

تبين أن الشر يصدر عن أناس عاديين بعد تحويلهم إلى أناس تافهين، مستقيلين في عقلهم وضمائرهم، لا يشعرون بفظاعة أخطائهم وجرائمهم وانتهاكاتهم، ولا يعون مسؤوليتهم تجاه الآخرين المختلفين عنهم. بل يُنفِّذون تعليمات وإملاءات بطريقة عمياء، تختفي معها سلطة الإنسان على نفسه وتضمحل إرادته في تحمل المسؤولية تجاه العالم. لا يعود الشر بذلك، ذي منابع شيطانية ضاربة في الوجود الإنساني، بل هو شرط إنساني ينوجد الناس بداخله أو يخلقونه لأنفسهم، يحولهم بكل بساطة إلى هامشيين لا لزوم لهم، وإلى أدوات وآلات تُقبل على فعلها باندفاع ورغبة من دون أن تعي ما تفعل.

فالشر لا يُبحث عنه في الحقائق الجوهرانية للأشياء ولا في تجذره العميق داخل النفس، وإنما في الفضاء العام الممتلئ باللامعنى وغياب المنطق وإقالة العقل وإطفاء الروح وإغلاق منافذ الباطن الإنساني، أي ترسيخ مظاهر التفاهة والهامشية سمة كل شخصية وأرضية لكل مظاهر الوعي والسلوك.

مقاومة الشر عند حنة أرندت تكون باستعادة الذات الفردية لسيادتها على نفسها، وامتلاك زمام أمرها، وانتزاع قدرتها على التفكير النقدي. مقابل الانضمام إلى الحشود الكبيرة التي تعوض على المرء ضآلة وجوده الذري، لكنها تحرمه بالمقابل فرصة تلذذه بحريته وتنزع عنه أهليته الذاتية في تحقيق وجوده الخاص به.

علمتنا حنة أرندت أن الشر لا ينتجه أشرار، بل ينبع من نمط وجود إنساني متدنٍ وطريقة حياة تافهة

بهذا ندرك أننا في لبنان لسنا أمام صراع بين قطبي حق وباطل، كون مقولتي الحق والباطل صوراً متعاكسة أمام المرآة لحقيقة واحدة. وأن عمق أزمة لبنان لا تقتصر على وجود أشرار وفاسدين عجزت الدولة عن ملاحقتهم أو الاقتصاص منهم، كون الشر والأشرار نتاج بنية عميقة راسخة ومُمَأسَسَة وتحظى بكامل مشروعيتها وقانونيتها.

عمق ما نحن فيه أننا أمام صراع بين خيارين:
• الأول يدفع باتجاه خلق يقظة باطنية عميقة في داخلنا تمكننا من مواجهة ذنوبنا الخفية بمسؤولية.
• الثاني فيتعالى على خطاياه ويتنكر لها رغم فظاعتها وعبثيتها بل يتباهى بها وينزلها منزلة الفضيلة الخلقية.

الأول يؤسس لوعي ذاتي فردي وجمعي قائم على حرية تفكير وتواصل مسؤول وحوار مفضي إلى شراكة حياة كاملة، أما الثاني فيتقن صنع الغوغاء الذي يحُول بين إدراك المرء لحقيقة ذاته ويسلبه طاقة التفكير وقدرة القرار الحر.

علمتنا حنة أرندت أن الشر لا ينتجه أشرار، بل ينبع من نمط وجود إنساني متدنٍ وطريقة حياة تافهة

هو خيار بين حرية مُقلقة ومسؤولية ثقيلة ومحدودية مرعبة لكنها تخلق فينا حس استكشاف دائم وتضعنا أمام إمكانات حياة لا متناهية، وتفتح أمامنا فرصة تحقيق وجود أصيل. وبين تفاهة اعتباطية متخمة بادعاءات واثقة ويقين قاطع وتعالٍ مفرط وحصرية امتلاك ونزعة سطوة ومنطق غلبة وشراهة عدوانية، تغرقنا جميعها في حال سيادتها في عدمية حالكة وشر مستطير.

السابق
باسيل وتكتله: الجيش صمام الأمان.. والسلطة تعلن وفاة الإصلاح
التالي
دبلوماسية الاستكبار