في خضمّ السجال الذي فجّره خطاب نائب الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم وما حمله من نبرة تصعيدية، اختار المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان أن يوجّه رسالته إلى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، محاولًا تبريد الأجواء عبر خطابٍ مفعم بالدعوة إلى الوحدة الوطنية والابتعاد عن “خطابات الحقد والعنترية”. لكنه، في المقابل، شدّد على ثوابت أساسية يأتي في مقدّمها رفض أي مسّ بسلاح المقاومة أو البحث في معادلة “السلاح مقابل الأمان”.
في رسالته، وضع المفتي قبلان اللحظة الراهنة في سياق خطير، حيث اعتبر أنّ لبنان محاصر بمشاريع دولية وإقليمية تدفعه نحو الخراب، محذّرًا من الفتنة الداخلية التي قد تكون “أخطر كوابيس لبنان”. وتوجّه إلى رئيس الجمهورية بصفته “ضامنًا وطنيًا” لا مجرد ضامن دستوري، مطالبًا إياه بحماية السلم الأهلي ومنع أي انفجار داخلي.
المقاومة والجيش
وأكد أنّ الشراكة بين سلاح الجيش وسلاح المقاومة تمثل “ضرورة وجودية”، وأن التخلي عنها يعادل رمي لبنان فريسة سهلة للذئاب الإقليمية والدولية. كما ذكّر بكلام الإمام موسى الصدر عن حمل السلاح كواجب لحماية الجنوب في ظل تقاعس الدولة، داعيًا إلى قراءة التجارب التاريخية التي أثبتت أنّ المقاومة كانت عنصر ردع استراتيجي في مواجهة إسرائيل.
ولفت إلى أنّ المسيحية شريك روحي ووطني لا يمكن للبنان أن يعيش من دونها، في محاولة واضحة لتعزيز خطاب التلاقي والتوازن الطائفي، مؤكدًا أنّ العائلة الوطنية اللبنانية أكبر من نزعات الثأر والانقسام. كما أوصى بالاستماع إلى الرئيس نبيه بري و”مشورته الحريصة”، واصفًا إياه بـ”القدرة الوطنية العابرة للطوائف”.
وختم قبلان مؤكّدًا أنّ “المقاومة ضمانة تاريخية ومصيرية”، وأن أي تفريط بها يعني التفريط بأسباب بقاء لبنان نفسه، داعيًا إلى الجمع لا التفريق، والتلاقي لا التمزيق.
اقتراح ام مبادرة حقيقية؟
والملاحظ، انه رغم نبرة التهدئة ومحاولة التبريد بعد خطاب الشيخ قاسم التصعيدي قبل يومين، بدت رسالة المفتي قبلان متمسكة بالثابتة الجوهرية: لا نقاش في السلاح ولا مقايضة عليه. ولان المفتي قبلان يُعتبر من الشخصيات المقربة من قيادة حزب الله، فان رسالته لرئيس الجمهورية هذه، عدها المراقبون مهمة في توقيتها، وانه يمكن تفسيرها كـ”مقدمة لمبادرة حقيقية” يمكن ان تكون مؤيَّدة من حزب الله ضمن رؤية تحفظ سلاح الحزب مع شراكة من قبل الجيش اللبناني، ولو ان آلية هذه الشراكة ما زالت غير واضحة ينقصها تحديد المرجعية النهائية لها.
ومن اجل توضيح طرح “المفتي” فان السؤال الأشد إلحاحًا يبقى: هل يقبل “حزب الله” أصلًا أن يكون سلاحه بإمرة قائد الجيش ورئيس الجمهورية اليوم وغدا وبكل زمان ومكان، وان يكون خاضعًا لقرارات الدمج والتشكيلات والترقيات والمهام كما هو حال أي قوة نظامية في الدولة، أم أنّ الشراكة التي يجري الحديث عنها يريدها الحزب ان تبقى مجرّد اجراء شكلي مؤفت بانتظار عودة موازين القوى الاقليمية لما كانت عليه قبل حرب الاسناد ومحاولة تعديل الخسارات التي تكبدها محور الممانعة؟
إقرأ أيضا: بعد خطاب نعيم قاسم.. «الحزب» نحو العزلة السياسية!

