في لحظة سياسية دقيقة، أقدمت حكومة نواف سلام على خطوة اعتبرها البعض “تاريخية”، بإقرار أهداف الورقة الأميركية المقدّمة من الموفد توم براك**، والتي تُعيد طرح مسألة حصر السلاح بيد الدولة، وتُحيي روح القرار 1701 واتفاق الطائف. لكن هذه الخطوة لم تمرّ بلا أثمان، إذ قوبلت بانسحاب وزراء “الثنائي الشيعي” من الجلسة، رافضين مناقشة الورقة “قبل اتضاح السياق الوطني الكامل”، في مشهد يعكس بوضوح عمق الخلاف حول مستقبل “سلاح المقاومة”.
جلسة متفجّرة… وانسحابات مدروسة
بدأت الجلسة بهدوء نسبي، لكن سرعان ما تصاعد التوتر بعد إصرار الرئيسين عون وسلام على مناقشة الورقة، لا سيما أهدافها المعلنة. ومع رفض وزراء أمل وحزب الله الدخول في هذا النقاش قبل استلام خطة الجيش المفترض تقديمها في 31 آب، انسحب الوزراء الثلاثة (تمارا الزين، محمد حيدر، ركان ناصر الدين) من الباب الخلفي، ولحق بهم الوزير الشيعي المستقل فادي مكي، الذي برّر خروجه برغبته في “عدم تحمل مسؤولية قرار كبير بغياب مكوّن أساسي عن النقاش”.
لكن رغم الانسحاب، استُكملت الجلسة، وأُقرّت الأهداف بالإجماع بين الوزراء الباقين، لتسجّل بذلك أول قرار حكومي رسمي يتناول بشكل مباشر مسألة السلاح ووقف الأعمال العدائية، وفق جدول زمني غير محدد، لكنه مدعوم دوليًا، كما اعلن الوزراء المنسحبون انهم لن يعمدوا الى تقديم استقالاتهم رغم اعتراضهم وخروجهم من الجلسة.
ما الذي تضمّنته «ورقة بارّاك»؟
الورقة التي وضعتها الإدارة الأميركية تتكون من أحد عشر بندًا، أبرزها:
* تنفيذ القرار 1701 واتفاق الطائف وحصر السلاح بيد الدولة.
* إنهاء الوجود المسلح لكل الجماعات غير الحكومية، بما فيها حزب الله.
* نشر الجيش في كل المناطق الحدودية.
* انسحاب إسرائيلي كامل من النقاط الخمس، وتثبيت وقف إطلاق النار.
* ترسيم الحدود مع سوريا وإسرائيل.
* دعم اقتصادي دولي كبير، يتضمن عقد مؤتمر اقتصادي.
وقد اعتبرت الحكومة أن إقرار الأهداف العامة هو تنفيذ للمرحلة الأولى من الورقة، على أن تُبنى عليها خطوات لاحقة متعلقة بتوقيت التنفيذ.
الموقف الأبرز عبّر عنه وزير العمل محمد حيدر، الذي قال خلال الجلسة:
> “أنا ابن هالناس، كيف بدي واجه أم شهيد أو شاب عم يعيش بقلق وجودي، وقول له لازم يتنازل عن الضمانة الوحيدة يلي بتحميه؟”
وفي تصريحات لاحقة، شدد حيدر ومكي على أن الانسحاب لم يكن من الحكومة، بل من الجلسة تحديدًا، مع تأكيدهم التزامهم بالبيان الوزاري، ورفضهم لأي قرار أحادي يتعلّق بالسلاح.
تهنئة أميركية وفرنسية… وضغوط متصاعدة
في المقابل، هلّلت واشنطن للقرار الحكومي، إذ وصفه الموفد توم براك بـ”التاريخي والصحيح”، مغرّدًا أن “الولايات المتحدة تقف إلى جانب الشعب اللبناني في سعيه لقيام دولة واحدة بجيش واحد”. أما وزير الخارجية الفرنسي، فأكد أن بلاده تدعم لبنان في مساره نحو السيادة.
لكن هذه المباركة الغربية، ترافقت مع مسيرات احتجاجية ليليةاستمرت لساعات محدودة دون التسبب باحداث امنية في الضاحية والجنوب والبقاع، عبر دراجات نارية رفعت شعارات معروفة، في مشهد يُذكّر بليالٍ سبقت محطات صدام سياسي كبرى، غير ان هذه التحركات سرعان ما هدأت بعد تطويق الجيش لمنافذ الضاحية ومنع المعترضين من الخروج باتجاه بيروت، بالتفاهم مع الامنيين في حزب الله.
هل بدأ تنفيذ خطة “نزع السلاح”؟
بالنسبة للحكومة، فإن الخطوة الأولى قد بدأت فعليًا. الخطة الأميركية مؤلفة من مراحل، تبدأ بتثبيت وقف إطلاق النار (أُقرّ بالأهداف)، ثم تنتقل إلى مراحل متدرجة نحو بسط السيادة الكاملة. لكن “الثنائي” يرى في الورقة خطرًا مباشرًا على توازن الردع، ويطالب بضمانات أميركية وفرنسية، وبأن يُعطى الجيش الفرصة لوضع خطة لبنانية صافية.
الرئيس عون بدوره أوضح أن تنفيذ الورقة لا يمكن أن يتم دون موافقة سوريا وإسرائيل وضمانات دولية، ما يعني أن المسار السياسي – الإقليمي للورقة لا يزال في بدايته.
هل تصمد الحكومة أم تتشظّى؟
ما جرى في الجلسة الأخيرة لا يعني بالضرورة انفجار الحكومة، لكن الاصطفاف الطائفي عاد إلى السطح، ومصير المسار الحكومي بات مرهونًا بما سيقدّمه الجيش من خطة، وبرد فعل الثنائي في جلسات لاحقة.
وفي حال مضت الحكومة أكثر في تنفيذ الورقة الأميركية، من دون توافق داخلي، فإن البلاد مهددة مجددًا بالانزلاق نحو أزمة ميثاقية، وربما دستورية.
لبنان الرسمي يبدو مصرًّا على استثمار الفرصة الدولية لتثبيت السلم الأهلي، بينما “الثنائي” يعتبر أن ما يجري **هو محاولة خارجية لنزع سلاحه** تحت عنوان “إعادة الإعمار”.
أما الشارع، فبدأ يشعر من جديد أن معركة “الكيان” تتجدّد، وأن فصلًا جديدًا من الاشتباك قد بدأ، تحت عنوان السيادة والسلاح والدستور.
وبين الورقة الأميركية، والتحفّظ الشيعي، وخطة الجيش المرتقبة… كل الأنظار الآن تتجه إلى 31 آب، حيث سيكون لبنان أمام استحقاق جديد: هل يولد تفاهم على «استراتيجية دفاعية»؟ أم ينفجر الاشتباك حول السلاح مجددًا؟
إقرأ أيضا: ماذا بعد «اغتيال سلاح حزب الله»؟ هل يقوم بتفجير«سيارة مفخخة سياسياً»؟!

