بين شوارع الطغاة وشوارع الفن والجمال: بيروت تُعيد الاعتبار لزياد الرحباني

جرت مساء أمس معركة افتراضية على “الحائط الأزرق” حول تغيير اسم الجادة التي تربط طريق المطار ببيروت، من *شارع حافظ الأسد* إلى *شارع زياد الرحباني*.

لست من دعاة إطلاق أسماء الحكّام على الشوارع الرئيسية لأي بلد، فالأسماء تتبدل حسب المناخ السياسي. ولا يفوتني هنا أن أشير إلى دهاء شخصية الأسد، الذي حكم الشام لفترة طويلة، ولم يطلق اسم أي حاكم أو زعيم عربي على شوارعها الرئيسية. لعله كان يدرك تمامًا أن التاريخ يتبدل ولا يرحم أحدًا.

تجوّلت في كثير من العواصم العربية، ووجدت أن الشوارع التي سُمّيت على أسماء الحكّام العرب في العصر الحديث، معظمها تغيّر بعد كل انقلاب أو تبدّل في النظام.

أعود معكم إلى إحدى زياراتي إلى دمشق. كنت أقود سيارتي في أحد شوارع العاصمة، وعند وقوفي على إشارة، لفتني حائط جميل ينام عليه الياسمين، وعليه لوحة تحمل اسم الشاعر العربي الكبير *عبد الوهاب البياتي*.

دمشق، من المدن النادرة في العالم التي لها وجه ثقافي خاص. معظم شوارعها تحمل أسماء أعلام: هنا *ابن خلدون* هناك *نزار قباني*، وفي شارع آخر *النابغة الذبياني*، *أبو تمام*، *البحتري*، *غسان جبري*… وهكذا تتوالى الأسماء. شعرت أنني أقود سيارتي في عالم من اللغة والجمال، لا في مدينة.

ربما هذه الخيارات الثقافية الصائبة حمت الشام من معارك صغيرة حول الأسماء. ولو حدث مثل هذا الجدل هناك، لما سمعنا به أصلًا، فالمعارك التي تجري في هذه البلاد أكبر من مظاهرة ببضعة دراجات نارية حول اسم شارع، كما حدث في بيروت.

هذه المعارك لا تُغني ولا تُسمن من جوع.

من زار بغداد يعرف أن السياسة قد تسيء إلى الأسماء المبدعة، لكنها لا تستطيع مسحها. رغم كل الإهمال الذي لحق بشارع *الرشيد*، ما زال شاهدًا حيًّا على من أكمل طريق باني بغداد ومهندس جمالها، *أبو جعفر المنصور*. ومن يمر بشارع *محمد مهدي الجواهري*، يعرف أن إنصاف الأدب لا بد منه، ولو بعد حين.

نعم، يستحق *زياد الرحباني* أن يُطلق اسمه على أحد أهم شوارع العاصمة، بل أن يُقام له نُصْبٌ كبير. لقد مللنا من مشاهد تحطيم تماثيل الطغاة في الميادين، من *تشاوشيسكو* إلى *صدام حسين*، و*القذافي*، و*حافظ الأسد*، والقائمة تطول… ما تكسير هذه الأصنام إلا ردٌّ على وجع قلوب الأمهات والزوجات والأطفال، وعلى أحلام سُحقت تحت سطوة الطغيان.

قرار الحكومة اللبنانية قرار أراه منصفًا وردًّا جميلًا لما قدمه **الرحابنة** للبنان. نعم، يستحق ابن **جارة القمر** وثريّا النجوم، السيدة **فيروز**، أن ترى اسم ابنها مرفوعًا على لوحة شارع، وإن كانت أعماله قد خلّدته قبل أي اسم.

لكن، كما يقال: “زيادة الخير خير”، ووجود الطيبين لا يُرد.

وهنا، لا بد من التذكير أن هناك قائمة طويلة من مبدعي لبنان تستحق التكريم. عاش *أنسي الحاج* في الأشرفية، ويستحق الشارع الذي سكنه أن يُسمّى باسمه. هذا مجرد مثال، والقائمة تطول.

بل أدعو معالي وزير الثقافة إلى إطلاق مشروع مشابه لما فعلته مصر تحت عنوان “هنا عاش”، من خلال لوحات برونزية على مداخل العمارات التي سكنها كبار الأدباء والفنانين والمفكرين.

إن الأدب الرفيع، والفن الحقيقي، كما النضال الصادق، لا يتغيّر. فتاريخ الشعوب إذا بُني بدم الأحرار وبالإيمان بحرية الإنسان، لا يمحوه أحد.

رحم الله الشاعر العراقي الكبير *الجواهري* الذي صرخ في بيت شعره الشهير:

*باقٍ وأعمار الطغاة قصارُ*

نعم، يبقى الفن، ويبقى الشعر، ويبقى الأدب، ويبقى نضال الشعوب من أجل *الحرية والعدالة الاجتماعية*، ما بقي الزمن.

السابق
كواليس ماحصل أمس.. ٤ هواجس تحكمت بجلسة الحكومة!
التالي
لبنان على موعد مع «حصار ناري»: موجة حر قاسية تضرب البلاد بدءاً من الخميس