أوقفوا إساءاتكم للطبيعة

كنت قد أعددت لحديثي الإذاعي اليوم موضوع أحداث السويداء وتداعياتها على الوضع اللبناني، خصوصاً أن حزب الله يبدو أنه يتخذها إحدى ذرائع احتفاظه بالسلاح. نفس السلاح الذي لم يحمِه بذاته، ولا حمى الجنوبيين، بل تسبب بنكبتهم، ففقدوا فلذاتهم وبيوتهم (بعد أن نُهبت أموالهم من المصارف) وتهجّروا حتى إشعارٍ آخر، وأُعيد الاحتلال.

جرائم ضد الشجر في عزّ القيظ

لكن يوم الأربعاء الماضي، أثناء مروري قرب حديقة الصنائع، فوجئت بمنظر غريب حقاً، وغير منتظر إطلاقاً، في عاصمة تشكو من قلّة المساحات الخضراء. ففي عزّ موجة الحر هذه، التي يعاني منها اللبنانيون بعد أن تُركوا تحت رحمة تجّار موتورات الكهرباء… إذن، في ذلك اليوم المشؤوم، وجدت أمامي على طول الطريق أمام وزارة الداخلية في منطقة الصنائع، فروع أشجار ضخمة مرمية على الأرض.

الأشجار الجميلة، الباسقة، الوارفة، والتي تحمل بعض الفيء للمشاة وللسيارات على امتداد الطريق، قد تعرّضت لتشويه غير مسبوق. قُطعت فروعها الضخمة من أصلها، وأصبحت الأشجار مبتورة، نصف أشجارٍ حزينة مشوّهة، تنظر إلى نصفها الآخر مرمياً على الأرض.

أثناء عودتي، كان بعض العمال لا يزالون يجمعون الفروع المرمية على الأرض، وهي نفسها بحجم أشجار، يكسرونها ليرفعوها إلى الكميونات.

سألت العامل: من الذي أعطاك الأوامر للقيام بهذا العمل؟ بلدية بيروت؟
قال: نعم.
وعند اعتراضي، أشار بحدّة إلى الإشارة الضوئية قائلاً: “كي تظهر الإشارة!” – إشارة السير يقصد!!
السخرية أن الإشارة كانت مطفأة ومتوقفة عن العمل!! ولا تزال، ولم أرها تعمل يوماً.

وعندما ضحكت أمام المشهد السوريالي، قال بنفس الحدّة: “يمكنك التوجّه إلى وزارة الداخلية وتسأليهم.”

فهمت عندها أن هذه البدعة من أعمال وزارة الداخلية!! الوزارة في حكومة ننتظر منها المنّ والسلوى!!

من الذي يحاسب؟ ومن الذي يُستشار؟

فأيّ مستشار عبقري ارتأى إسداء النصيحة بالاعتداء على الأشجار وتشويهها لكشف إشارةٍ معطّلة معظم الأحيان؟ والسؤال: هل حقاً إن اللبنانيين لا يتبعون الإشارات فقط لأن بعض الأشجار تحجبها عن الرؤية من بعيد؟ هل تعمل إشارات السير أصلاً؟؟ وماذا عن الإشارات المكشوفة والتي تعمل ويوقفها الشرطي ويسير حركة المرور على مزاجه؟ وتلك التي تعمل ولا تُطاع؟

في الماضي، كانت أشجار الشارع خلف حديقة الصنائع تتعرض لمجزرة “فَتُشفَّف” كما يُقال، كل عام مع مطلع الصيف. قلت لنفسي حينها: لا بدّ أن متنفّذاً يقيم في الشارع، يطلب من البلدية القيام بذلك لأنها تزعج “بلكونه” مثلاً؟

لكنها، يبدو، ستصبح سياسة معمّمة للانتقام من الأشجار، ربما بسبب العجز عن ضبط الأمور وفرض القانون، ليس فقط في الصنائع، بل على جميع الأراضي اللبنانية.

متى سنصبح بلداً يفقه لغة الحفاظ على البيئة؟ أيّ سذاجة! نطلب احترام البيئة وشجرها في بلد لا يُحترم فيه الإنسان.

لذا، أرجو ممن يسمع هذا الحديث، أن ينقله لمعالي الوزير، ليحاسب المسؤول عن ذلك علناً، وكي لا تُعاد هذه الممارسات المستغرَبة في لبنان قيل عنه إنه أخضر.

ملاحظة: الغريب في الأمر ذلك الثأر ضدّ الأشجار في هذه البلاد. ففي كل مرة يحصل فيها اضطراب أمني، وما أكثرها، نلاحظ اشتعال الحرائق في الغابات وأشجارها. ولسنا وحدنا في هذا الميدان، إذ لا تزال حرائق منطقة الساحل السوري التي عصيت على الإخماد ماثلة أمامنا.

فلتحيا بلاد القهر والقمع والازدراء للبشر، وللحجر، وللنبات.

اقرأ ايضا: وداع حاشد لزياد الرحباني في بيروت..

السابق
وداع حاشد لزياد الرحباني في بيروت..
التالي
نحن قتلناك يا زياد واليوم نمشي في جنازتك! وطن يبكي على زياد أم يبكي على ذاته وحالته المرثية؟!