التيار الصدري و«الكتلة المختارة»: صمت الحنّانة يربك البيت الشيعي العراقي

مقتدى الصدر

في توقيت سياسي بالغ الحساسية، يشهد مقر “الحنّانة” في النجف الأشرف تحركات سياسية حثيثة من أطراف شيعية تقليدية تسعى لإقناع زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر بدعمها في الإنتخابات المقبلة. ورغم أعتزال السيد الصدر المعلن للعمل السياسي، فإن القوى الشيعية تبدو مدفوعة بمخاوف من تكرار تجربة إنتخابات 2021، حين أجتاح التيار الصدري المشهد البرلماني بما يقارب المليون صوت، قبل أن ينسحبوا جماعياً من البرلمان، مخلّفين فراغاً لم يملأه أحد حتى الآن.

«الكتلة المختارة»: محاولة لأختراق الصمت

المعلومات المتداولة تشير إلى رسائل مكثفة تُرسل إلى الحنّانة مقر السيد مقتدى الصدر منذ أيام، من أطراف شيعية تدّعي أنها تستوفي شروط السيد الصدر، وتبحث عن ضوء أخضر أو حتى إشارة ضمنية تُفسَّر كدعم. لكن الصدر الذي أنسحب من العملية السياسية في لحظة ذروة، لا يبدو مستعداً للعودة إلا بشروط صعبة، إن لم تكن مستحيلة في ظل التوازنات الحالية.

وقد عبّر عن ذلك بوضوح أحد النواب التيار الصدري السابقين، حين أكد أن الصدر لن يكرّر تجربة الشراكة مع قوى سياسية نكثت بوعودها، مشيراً إلى أن الكتلة المطلوبة غير موجودة حتى الآن.

شروط السيد الصدر: وثيقة إصلاحية أم شروط إقصائية؟

في واحدة من الرسائل العلنية النادرة، كتب “وزير القائد”، المقرب من الصدر، نقلاً عنه، تساؤلات تختبر نوايا القوى السياسية: من هي الجهة التي يمكنها أن تتبنى برنامجاً يطالب بحصر السلاح، تقوية الجيش، حلّ الميليشيات، ودمج أو تنظيم الحشد الشعبي، إلى جانب محاربة الفساد والتمسك بالوطن؟ ثم أضاف: ما هي الضمانات الحقيقية التي يمكن أن تُؤخذ من هذه الكتل؟

هذا الخطاب يعكس رؤية إصلاحية جذرية، لكنه أيضاً يكشف عن فجوة ثقة عميقة بين الصدر وبقية الطبقة السياسية، يصعب جسرها بالوعود أو الشعارات.

التدوينات المشفّرة: رسائل مزدوجة

تدوينة السيد مقتدى الصدر الأخيرة على منصة “إكس”، والتي كتب فيها: “مصباح الهدى ننتخب، وسفينة النجاة نركب”، أربكت الجميع. ففي حين رآها البعض تلميحاً لعودة محتملة، قرأها أنصاره على أنها سخرية رمزية من محاولات خصومه إستنساخ خطابه وتسمية تحالفاتهم بأسماء دينية – سياسية على غرار “سفينة النجاة”.

التيار الصدري خارج اللعبة… داخل التأثير

رغم إنسحاب التيار الصدري من البرلمان ومن الإنتخابات المقبلة كما هو معلن، إلا أن تأثيره لا يزال حاسماً. حيث أن السيد مقتدى لصدر يملك، إلى جانب جمهوره، سلطة خطابية وأخلاقية في الشارع الشيعي لا تنازعه عليها جهة أخرى. وهو يستخدم هذا التأثير الآن لإعادة تعريف اللعبة، لا للمشاركة فيها.

ويبدو أن الرجل قرر خوض معركة الوعي السياسي بدلاً من معركة المقاعد، عبر كشف تناقضات القوى والأحزاب السياسية الأخرى ومساءلتها عن برامجها ونيّاتها، في لحظة وطنية يعلو فيها صوت التغيير، لكن تضعف فيها أدواته.

مأزق القوى الشيعية التقليدية

في المقابل، تبدو القوى الشيعية التقليدية عالقة في مأزق كبير. فهي لا تستطيع تجاهل التيار الصدري ولا تستطيع الإلتزام بشروطه الجذرية.

ولا تملك مشروعاً إصلاحياً بديلاً يمكن أن يقنع الشارع.

مع العلم ان التيار الصدري نفسه يعلم ان منظومة الفساد لا يمكن تحجيمها خارج اطار التوافق السياسي في العراق، وهو امر غير متوفر في المدى المنظور، بسبب سيادة المحاصصة السياسية التي طالما كان التيار جزءا منها، قبل الصدام السياسي الاخير منذ اربع سنوات على اثر انتخابات عام 2021 وما تبعها لا حقا من استقالة نواب التيار من المجلس ومقاطعة الحكومة.

ووصف مصدر متابع ما يجري في الحنّانة مقر زعيم التيار الصدري بأنه “تعرية سياسية”، مؤكداً أن السيد  الصدر لا ينوي العودة ولا يدعم أحداً، بل يسلّط الضوء على غياب الكتلة القادرة فعلاً على الإصلاح.

صمتٌ ناطق

الحنّانة، اليوم، ليست مقراً لصياغة التحالفات، بل ساحة لأختبار صدق النوايا. والصدر، بصمته المدروس وخطابه المشفّر، يدير معركة سياسية من خارج النظام، لكنه يتحكم بميزان القوى داخله.

وفي وقت تتخبّط فيه القوى والأحزاب السياسية الشيعية بين محاولة أسترضائه وبين التشكيك به، و يبدو أن السيد مقتدى الصدر قد أختار موقعاً جديداً، ان يكون مرجعا للإصلاح بلا تحالف، وصوتا للمعارضة بلا مشاركة.

إقرأ أيضا: ورقة بري تشعل بصيص أمل في مهمة براك المتعثرة: الموقف الشيعي يخرج من الظلّ!

السابق
هل سيتعرّض النظام الإيراني لصدمة مفاجئة مجددًا؟
التالي
«الكتائب» تدعو لحصر السلاح بيد الدولة وتطالب الحزب بتسليمه فورًا