لم تمض ساعات قليلة على إعلان وقف إطلاق النار في محافظة السويداء، حتى تجددت الاشتباكات المسلحة داخل المدينة ومحيطها، ما ألقى بظلال كثيفة من الشك حول جدوى الاتفاق الأخير، ومدى قدرة الدولة على فرض الاستقرار في المحافظة الجنوبية المضطربة.
ورغم بدء قوات الأمن السورية انتشارها في مناطق متفرقة من المحافظة صباح السبت، تنفيذاً لبنود الاتفاق الذي توصلت إليه السلطات مع الفصائل المحلية والعشائر، إلا أن اشتباكات عنيفة اندلعت مجددًا بين فصائل درزية ومسلحين من العشائر العربية، الذين أحرزوا تقدمًا لافتًا داخل بعض أحياء المدينة، في تطور ميداني ينذر بانهيار الاتفاق الهش.
انتشار أمني يترافق مع خروقات ميدانية
أعلن المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، أن قوات الأمن الداخلي بدأت الانتشار في محافظة السويداء ضمن “مهمة وطنية هدفها حماية المدنيين ووقف الفوضى”، مؤكدًا أن الاتفاق ينص على إعادة انتشار الدولة ومؤسساتها في عموم المحافظة، وفتح معابر إنسانية.
لكن، وبحسب مصادر محلية، تزامن هذا الانتشار مع مواجهات دامية، ولا سيما في أحياء من مدينة السويداء وريفها الشمالي، حيث أفاد مراسل “وكالة الصحافة الفرنسية” بسماع دوي قصف متقطع واشتباكات بالأسلحة الرشاشة.
وتداول ناشطون مقاطع فيديو تُظهر اشتباكات مباشرة بين مقاتلين من العشائر البدوية وآخرين من الفصائل الدرزية، وسط المدينة، فيما تحدثت “السويداء 24” عن محاولات تسلل قامت بها مجموعات مسلحة من خارج المحافظة، يُعتقد أنها تابعة للعشائر، قبل أن تقع في كمائن محلية أوقعت إصابات في صفوفها.
انسحابات وتحضيرات للإجلاء
ذكرت قناة “تلفزيون سوريا” أن بعض مقاتلي العشائر البدوية بدأوا بالانسحاب من مدينة السويداء، في وقت جرت فيه تحضيرات لإجلاء عدد من المحتجزين من عناصر هذه العشائر الموجودين في مدينة الشهبا بريف السويداء.
لكن المشهد الميداني لا يزال ضبابيًا، في ظل حالة غليان واسعة تسود بين صفوف أبناء العشائر الذين وفدوا من مناطق مختلفة دعماً لما وصفوه بـ”المظلومين من أبناء البدو”، كما نقلت “الشرق الأوسط” عن مصادر عشائرية اتهمت بعض الجهات المحلية بـ”التنصّل من الاتفاق” والاستقواء بـ”الدعم الإسرائيلي”، في إشارة إلى جماعة قريبة من الزعيم الروحي للدروز، الشيخ حكمت الهجري.
تباين في تفسير الاتفاق… واتهامات متبادلة
وفي بيان للرئاسة الروحية للطائفة الدرزية، شدد الشيخ حكمت الهجري على أن الاتفاق لا يشمل تمركز القوات الحكومية داخل المدينة، وإنما يقتصر على نشر قوات الأمن على أطراف المحافظة وخارج حدودها، ما يضعه في تناقض مباشر مع تصريحات وزارة الداخلية التي أكدت نية الدولة إعادة بسط سيطرتها على كامل المحافظة.
إقرأ أيضا: من الهلال الإسرائيلي إلى انكسار الطوق السني.. الأقليات دروع تل أبيب وحلم الخلاص العربي
من جانبها، عبّرت حركة رجال الكرامة، أبرز الفصائل الدرزية في المحافظة، عن تأييدها “التمييز الذي تتبناه الدولة بين من حمل السلاح دفاعاً عن أهله، ومن نفذ أجندات خارجية تخريبية”، داعية إلى “تنسيق مباشر وجاد” مع مؤسسات الدولة لإدخال المساعدات وتسريع عملية التعافي.
الرئاسة السورية تؤكد التزامها بالتهدئة وتحذّر من الخرق
وفي بيان صدر صباح السبت، أعلنت رئاسة الجمهورية السورية وقفًا شاملاً وفوريًا لإطلاق النار، معتبرة أن ذلك “حرص على دماء السوريين، وحفاظ على وحدة الأراضي الوطنية”، داعية جميع الأطراف إلى الالتزام التام بالقرار.
وشدد البيان على أن “أي خرق سيُعد انتهاكًا للسيادة الوطنية، وسيُواجَه بما يلزم من إجراءات قانونية”، مؤكدة أن الانتشار الأمني بدأ بالفعل في عدد من المناطق الحيوية.
مستقبل الاتفاق: تهدئة مؤقتة أم بداية لانهيار شامل؟
تجدد المواجهات رغم بدء تنفيذ الاتفاق يعكس هشاشة الوضع في السويداء، ويكشف عن فجوة عميقة بين القوى الفاعلة على الأرض من جهة، ومؤسسات الدولة من جهة أخرى، فضلًا عن تباين واضح في تفسير بنود الاتفاق بين مختلف الأطراف.
كما أن التوتر الطائفي – العشائري، وتداخل العوامل الإقليمية، لا سيما الدور الإسرائيلي العلني في دعم دروز السويداء، يزيد من تعقيد المشهد ويضع أي تسوية تحت اختبار مستمر.
ويبدو أن الهدنة المعلنة ليست سوى محاولة لشراء الوقت، في ظل عدم نضوج الظروف الميدانية والسياسية لحل مستدام، بينما يبقى المدنيون في السويداء هم الضحية الكبرى لجولة جديدة من العنف، تتكرر فصولها على مرأى من دولة تحاول تثبيت حضورها، وقوى محلية لا تثق بوعودها.
وزبر الإعلام السوري: الاتفاق فرصة حقيقية للحوار الوطني
وقال وزير الإعلام السوري، حمزة المصطفى، إن اتفاق وقف إطلاق النار في السويداء يمثل “فرصة حقيقية للحوار الوطني والحلول السياسية”، مشيرًا إلى أن الاتفاق “سيُنفذ على مراحل”.
وأكد المصطفى أن “وجود الدولة في السويداء هو الحل وليس المشكلة”، مضيفًا أن قوات الأمن “تعرضت لكمائن استدعت التدخل”، دون أن يوضح هوية المنفذين. كما أشار إلى أن “الدولة لم تنكر مسؤوليتها عن التجاوزات التي وقعت مؤخرًا”.
وفي لهجة لافتة، هاجم المصطفى الزعيم الروحي للطائفة الدرزية في السويداء، الشيخ حكمت الهجري، متهمًا إياه بـ”تبني خطاب يستدعي التدخل الأجنبي”، في إشارة ضمنية إلى إسرائيل التي أعلنت دعمها العلني “للدروز في السويداء”، وشنّت غارات جوية في دمشق بذريعة حماية الطائفة.
بنود الاتفاق: انتشار محدود وفتح معابر إنسانية
مصدر في وزارة الداخلية السورية كشف عن أبرز بنود الاتفاق الذي تم التوصل إليه بعد وساطات محلية وإقليمية، وتتلخص في:
انتشار قوى الأمن الداخلي كقوات “فض اشتباك” في ريف السويداء الغربي والشمالي.
انتشار أمني محدود على الطرق الرئيسية فقط دون الدخول إلى المدن.
تنفيذ بنود الاتفاق خلال 48 ساعة.
فتح معابر إنسانية بين درعا والسويداء لتسهيل نقل المدنيين والمصابين.
الإفراج عن محتجزين من أبناء عشائر البدو لدى مجموعات محلية مسلحة.
تشكيل لجنة طوارئ حكومية لإدخال مساعدات إنسانية وطبية عاجلة.
ورغم إعلان الرئاسة السورية وقفاً فورياً لإطلاق النار، استمرت الاشتباكات لليوم التالي في بعض مناطق الريف، ما يثير تساؤلات حول صلابة الاتفاق وموقف الأطراف المسلحة.
الدور الإسرائيلي: حماية دروز أم تدخل استراتيجي؟
في خطوة غير مسبوقة، دخلت إسرائيل على خط المواجهة بشكل علني، حيث شنت غارات جوية الأربعاء الماضي استهدفت مواقع قرب مقر الأركان العامة ومحيط القصر الرئاسي في دمشق، مبررة ذلك بـ”الدفاع عن الدروز” في السويداء.
إقرأ أيضا: سورية بين شرعين
ورغم أن الضربات لم تُعلن رسميًا كدعم مباشر لأي فصيل، إلا أن الخطاب الإسرائيلي السياسي والإعلامي ربط بشكل مباشر بين أمن الدروز في السويداء وأمن دروز إسرائيل، ما اعتبرته دمشق “تدخلاً خارجيًا سافرًا في شؤونها الداخلية”.
ووفقًا لمصادر متابعة، فقد جاء التدخل الإسرائيلي بعد اتصالات مكثفة بين مشايخ دروز في الجليل والكرمل والحكومة الإسرائيلية، لمطالبتها بالتحرك لحماية أبناء طائفتهم.
ردود فعل دولية: واشنطن تبارك الهدنة
في أول تعليق لها، رحبت الولايات المتحدة باتفاق وقف إطلاق النار، وكشفت عن تفاهم سوري – إسرائيلي ضمني بخصوص إنهاء التصعيد، دون توضيح بنوده. الخارجية الأميركية دعت إلى حماية المدنيين وفتح ممرات إنسانية في الجنوب السوري.

