لا يترك لنا حزب الله مجالًا للتضامن مع بعض مطالبه. فطريقة عرضه لوجهة نظره غالبًا ما تكون حادّة واستفزازية إلى درجة تستدرج ردود فعل ما كان لأصحابها أن يطلقوها لو أحسن هو الحوار.
عند انتهاء حرب الإسناد التي تحوّلت إلى حرب دمار، وبدء البحث عن حلول تجنّب لبنان مزيدًا من الدمار، وتحافظ على قدر من المناعة لديه، كنت أتمنى أن يتم التوافق على استيعاب أكبر عدد ممكن من كوادره ومقاتليه ضمن أجهزة الدولة كما حصل سابقًا مع سواه.
كنت أتصور أن قرارًا من نوع إدخال لواءين كاملين من حزب الله إلى الجيش اللبناني لتأمين معيشة مقاتليه، يدعم الجيش اللبناني بقوة مدربة وتملك خبرات يتمنى أي جيش أن تكون ضمن صفوفه. وتمنيت أن تكون ضمن هذه القوة كتائب للصواريخ وأخرى للمسيّرات، وأفواج متخصصة لأعمال قتالية أخرى. والجيش بحاجة إلى مده بأكثر من لواءين لتعزيز انتشاره في الجنوب وعلى سائر الأراضي اللبنانية.
خطاب حزب الله لا يسمح بالحديث عن ضمّ قواته إلى المؤسسات الأمنية اللبنانية، ولا يبشّر بعودة الهدوء إلى الجنوب بعد إعمارِه ورجوع عناصر الحزب إلى قراهم.
لماذا لا يعامل الحزب كغيره؟
كنت أبحث عن أفكار أخرى لاحتضان من استشرسوا بالدفاع عن الوطن، ومعاملتهم على الأقل كما تم التعامل مع ميليشيات كان بعضهم زعران الأحياء وشبّيحتها وتم استيعابهم ضمن مؤسسات الدولة. حتى إنني كنت بيني وبين نفسي أستاء من بعض ردود خصوم الحزب، والتي تجنح لا إلى رفض أي تصعيد أو قتال راهن لأسباب لها علاقة بالوضع الدولي والإقليمي، والوضع الاقتصادي والمالي للبلد وللناس في هذه المرحلة، وإنما تنشر مناخًا تيئيسيًّا وانهزاميًّا، ليس راهنًا فقط، وإنما لحقبة قد تمتد إلى ما يتجاوز القرن القادم.
وهذه الردود هي الوجه الآخر لعملة، وجهها الأول هو تمجيد السلاح وجعله في مرتبة أين منها مرتبة الأنبياء والكتب المقدسة.
أقول هذا الكلام الاستطرادي لأوضح بأنني لست من المصفقين لأي كلام يعادي حزب الله، إلا إذا كان كلامًا موضوعيًّا وعلميًّا. فالكلام التيئيسي والاستسلامي تحت شعار تجنب الدمار، يمكن أن يؤدي، بتخطي تسليم السلاح، وصولًا إلى القبول بتقديم جنوب الليطاني إلى إسرائيل كي نتجنب القتل والدمار.
قد لا يقصد البعض الوصول إلى هذا الاستنتاج، ولكن منطقهم وحيثيات طرحهم ممكن أن تصل إلى هذا الحد.
حزب الله: سياسة الانعزال عن اللبنانيين
وإذا عدنا إلى حزب الله، فإن طرحه لا يراعي لا رغبة ولا مصالح اللبنانيين، ولا يسعى إلى مدّ جسور التواصل مع بقية اللبنانيين.
خطاب حزب الله لا يسمح بالحديث عن ضمّ قواته إلى المؤسسات الأمنية اللبنانية، ولا يبشّر بعودة الهدوء إلى الجنوب بعد إعمارِه ورجوع عناصر الحزب إلى قراهم. هناك حاجة فعلية بأن ينتقل الحزب من طرح شعارات لا تتناسب مع المزاج الشعبي العام، ولا تخدم إلا أعداءه، واقتراح الحلول بدل الاستمرار في سياسة التحدي والاستفزاز.
سوريا وسلاح الحزب: ذرائع مستمرة
ولتبرير احتفاظه بسلاحه، يلجأ الحزب إلى التحريض على السلطة الحاكمة في سوريا واحتضان خصومها، واستبعاد أي إمكانية لتجاوز الصراع الدموي الذي انخرط فيه دعمًا لنظام الأسد.
وبدلًا من أن يستغل انهماك حكّام سوريا بأزماتهم الداخلية ليعرض خدماته بالوساطة والمصالحة، ليكفّر عن مواقفه السابقة ويفتح صفحة جديدة مع حكّام سوريا — نحن بحاجة ماسة إليها من أجل مصلحة لبنان — نراه يستمر بالتصعيد ليبرّر احتفاظه بسلاحه.
وفي محاولته تبسيط المعضلة المطروحة أمامه، يلجأ إلى طرح سؤالين على الجمهور:
الأول هو: هل هناك ضمانة إذا سلّمنا سلاحنا ألّا تقوم إسرائيل باجتياح الجنوب والبقاع مجددًا؟
والثاني: هل هناك ضمانة ألّا تشن القوات السورية هجومًا من البقاع والشمال؟
ويأتي كلام براك حول “رجوع لبنان إلى بلاد الشام” وكلام الإعلام الإسرائيلي حول “ضم طرابلس إلى سوريا” ليعزز وجهة نظره ويزيد مخاوف اللبنانيين.
والجواب على سؤالي حزب الله طبعًا يكون بالنفي، فمن يستطيع تقديم هكذا ضمانات؟
ولكن، ماذا لو طرحنا على الحزب ذات السؤالين بطريقة مختلفة:
هل يضمن الحزب، إن احتفظ بسلاحه، أن لا تتمكن إسرائيل أو قوات النظام السوري من اجتياح لبنان؟
وماذا لو طرحنا أسئلة مختلفة، مثل:
هل يحق للحزب الاحتفاظ بسلاحه على الرغم من إرادة معظم اللبنانيين؟
وإذا احتفظ الحزب بسلاحه، فمن يستطيع أن يمنع ذات الحق عن بقية الأحزاب؟ وأية دولة ستبقى عندها؟
ومن يضمن عدم استخدام الحزب لسلاحه في الداخل لإرهاب الخصوم؟
ومن يضمن عدم استقوائه بسلاحه لتحقيق مكاسب فئوية؟
وهذين السؤالين يضمران إبراز مخاوف شركائه في الوطن من سلاحه.
فرص مهدورة وقرارات أحادية
عندما طُرحت سابقًا مسألة ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا، اعترض الحزب بحجة أن هكذا خطوة تعيق نشاط المقاومة. واليوم نترجّى الترسيم، وسوريا تضع شروطها للموافقة.
وعندما طالبنا بأن تسلّمنا سوريا وثيقة الاعتراف بلبنانية مزارع شبعا، اعترض الحزب تحت مقولة: إن المزارع سواء كانت سورية أو لبنانية، فعلى إسرائيل الانسحاب منها!
وانتهينا اليوم بإعلان سوري بأنها سورية، واستمرت إسرائيل باحتلالها.
هذه بعض الفرص التي فرّطنا فيها بحقوقنا، بقرار من الحزب. ويمكن الاسترسال والحديث عن جريمة الترسيم البحري وخسارة حقل كاريش، الذي قُدِّم إلى إسرائيل على طبق من فضة، بضمانات دولية، ولم يُقصف بوردة في الحرب الأخيرة.
بفضل سياسة الحزب وعنجهية عون خسرنا هذه الفرص، فهل من ضمانة لعدم وقوعنا في المزيد من الخسائر بسبب تصلّب شكلي ينتهي بتنازل جوهري؟
الحل الواقعي: المقايضة لا التحدي
نأمل أن يبادر الحزب إلى تقديم حلول واقعية، تُقايض الانسحاب الإسرائيلي والإعمار ووقف الاغتيالات بالسلاح، بدل مقايضة السلاح بالحصول على مكاسب سلطوية.
وعلى السلطة اللبنانية ان تتحمل مسؤوليتها بالمطالبة بأن تقدم اسرائيل تنازلات مثل تقديم جدول زمني لانسحاب قواتها من النقاط المحتلة وأن توقف عملياتها العسكرية مقابل تنازلات حزب الله.
عندما طُرحت سابقًا مسألة ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا، اعترض الحزب بحجة أن هكذا خطوة تعيق نشاط المقاومة. واليوم نترجّى الترسيم، وسوريا تضع شروطها للموافقة.
اتفاق الاذعان الذي وافق عليه حزب الله عبر الرئيس بري وإمضاء الرئيس ميقاتي لا يمكن الاستمرار به، ولا يمكن للسلطة اللبنانية ان تكون ساعي بريد بين الحزب واسرائيل.
على الدولة ان تطالب بتنفيذ اتفاق مبرمج لتسليم السلاح وانسحاب اسرائيل ووقف الاعتداءات الاسرائيلية واعادة الاعمار،هذا ما يجب أن يحصل اذا أرادت اسرائيل السلام، اما اذا أرادت الحرب فلا يجب أن نسهل عليها تحقيق الانتصار، وعلى الدولة اللبنانية ان تجاهر بموقفها وأن لا تتصرف وكأنها ضيف الشرف في هذه المفاوضات.
اقرأ ابضا: اقرا ايضا: تحالفات الأقليات الجديدة: السويداء نموذجًا لسقوط الدولة وصعود خرائط بن غوريون ــ خامنئي

