لم يعد الانهيار الاقتصادي في إيران يُقاس فقط بسعر الدولار أو بمعدلات التضخم أو بانكماش القدرة الشرائية، بل وصل اليوم إلى أكثر النقاط حساسية وخطورة: رغيف الخبز، أي الغذاء الأساسي للفئات الفقيرة والكادحة. فالارتفاعات الحادة التي فُرضت على أسعار الخبز في طهران وعدد كبير من المحافظات خلال الأيام الأخيرة تكشف أن السلطة الحاكمة لم تعد تكتفي بإفقار المجتمع، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر فجاجة، عنوانها نقل كلفة أزماتها السياسية والأمنية والعسكرية إلى موائد الفقراء والمحرومين.
وقال علي رضا صداقت في هذا الصدد: «إن ما جرى في إيران خلال الأيام الأخيرة من رفع واسع لأسعار الخبز لا يمكن وصفه بأنه مجرد تعديل اقتصادي أو استجابة لتكاليف السوق، بل هو تعبير صريح عن سياسة تجويع متعمدة تمارسها السلطة ضد المجتمع الإيراني. فعندما ترتفع أسعار الخبز، وهو المادة الغذائية الأساسية لملايين العائلات الفقيرة، بنسبة تصل في بعض المناطق إلى 70 أو 100 بالمئة، فهذا يعني أن النظام يضع أفقر الفئات في مواجهة مباشرة مع الجوع».
وأضاف: «المعطيات المنشورة من داخل إيران تظهر أن الزيادات لم تقتصر على طهران، بل امتدت إلى محافظات عديدة، من مازندران وخراسان الرضوية إلى همدان وسمنان وغيرها. وفي طهران وحدها، قفز سعر خبز “لواش” من 14 ألف ريال إلى 27 ألفاً، وارتفع “بربري” من 53 ألفاً إلى 100 ألف، وقفز “سنكك” من 74 ألفاً إلى 155 ألف ريال. هذه الأرقام ليست مجرد تفاصيل معيشية، بل مؤشرات على انهيار العلاقة بين الدولة والمجتمع، وعلى انتقال النظام إلى تحميل المواطنين ثمن فساده وفشله وعجزه البنيوي».
وأكد صداقت أن: «المشكلة الحقيقية لا تكمن في القمح أو في كلفة الخبز وحدها، بل في طبيعة الاقتصاد الذي بناه نظام ولاية الفقيه على النهب والفساد والإنفاق الأمني والعسكري. حتى مسؤولو النظام أنفسهم اعترفوا بأن الدقيق والقمح المدعومين لا يمثلان سوى نسبة ضئيلة من الكلفة النهائية، ما يعني أن أصل الأزمة موجود في التضخم المنفلت، وارتفاع تكاليف الطاقة، والانهيار النقدي، والفساد المستشري، وكلها نتائج مباشرة لسياسات السلطة لا لعوامل خارجة عن إرادتها».
وتابع قائلاً: «حين يُحذف اللحم، ثم الحليب، ثم الفاكهة، من موائد ملايين الإيرانيين، ويأتي الدور اليوم على الخبز، فإننا نكون أمام سياسة منظمة لدفع المجتمع إلى حافة البقاء البيولوجي فقط. وهذا ليس خطأً في الإدارة فحسب، بل انعكاس لأولويات نظام يفضّل تمويل القمع في الداخل، وتمويل الحروب والتدخلات في الخارج، على حماية الحد الأدنى من الكرامة المعيشية للمواطن الإيراني».
وختم تصريحه بالقول: «إن ما يحدث اليوم يثبت أن الأزمة الاقتصادية في إيران ليست أزمة تقنية قابلة للعلاج بإصلاحات جزئية، بل هي نتيجة مباشرة لبنية حكم تقوم على مصادرة الثروة الوطنية وتوجيهها لخدمة بقاء النظام. ومن هنا فإن الخلاص لا يكمن في وعود حكومية جديدة، بل في إنهاء هذه المنظومة التي جعلت من الخبز نفسه سلاحاً ضد الشعب. وكما أكدت السيدة مريم رجوي، فإن الطريق الوحيد أمام الشعب الإيراني هو التمرد على هذا الواقع المفروض، ومواجهة النظام الذي يبدد ثروات البلاد على القمع والحروب بينما يدفع الناس إلى الجوع والفاقة».

