مقتدى الصدر: بين زعامة الاحتجاج ومشروع الدولة

تظاهرة لانصار مقتدى الصدر

 في ظل مشهد سياسي متوتر يعيشه العراق وحيث تتجه الأنظار مجددا نحو زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر، الذي يواجه واحدة من أكثر الأوقات حساسية في مسيرته السياسية وفي وقت تتداخل فيه التدخلات الخارجية مع نفوذ الأحزاب السياسية وتغيب فيه الدولة عن دورها السيادي.

وبينما تترسخ هيمنة قوى لا دولة على القرار العراقي و تبرز تساؤلات جدية حول هل يمتلك السيد مقتدى الصدر المقومات التحول من زعيم أحتجاجي إلى رجل دولة قادر على إعادة هندسة المشروع الوطني؟ وهل يمكنه بالفعل و أن يتجاوز إرث الأنقسام الداخلي ليقود عملية بناء دولة حديثة على أسس أصلاحية  وعادلة؟

السيد مقتدى الصدر زعيم القواعد الشعبية بصيغة سياسية فريدة، ومنذ العام 2003 بعد سقوط نظام حزب البعث شكّل السيد مقتدى الصدر حالة أستثنائية في رسم المشهد العراقي، بصفته أبن المرجعية الدينية وأبن السادة آل الصدر الكرام ووريث إرث سياسي وديني عريق، أستطاع أن يبني قاعدة جماهيرية كبيرة خصوصا في وسط البيت الشيعي.

و لكن السيد الصدر لم يكتفِ في موقعه الرمزي، بل خاض مواجهات سياسية متعددة أبرزها مع رئيس الوزراء الأسبق و الأمين العام لحزب الدعوة الإسلامية نوري المالكي، ومع قوى و أحزاب سياسية مرتبطة بعدة محاور إقليمية وفي محاولة لتكريس الخطاب الوطني يتجاوز برنامج الطائفية والمحاصصة.

منذ العام 2003 بعد سقوط نظام حزب البعث شكّل السيد مقتدى الصدر حالة أستثنائية في رسم المشهد العراقي، فبصفته أبن المرجعية الدينية وأبن السادة آل الصدر الكرام ووريث إرث سياسي وديني عريق

شرعية ومشروع مؤجل

و ما يمنح السيد مقتدى الصدر موقعًا أستثنائيًا، وفق مراقبين ليس فقط شعبيته الكبيرة بل ما يمكن وصفه في “العقد الأجتماعي” غير المعلن مع تياره الصدري والمستند إلى ثقة تأريخية وعقائدية متجذّرة في إرث عائلته، ولا سيما عمه المرجع الديني الفيلسوف السيد محمد باقر الصدر، ووالده المرجع الديني السيد محمد محمد صادق الصدر، الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لمواقفهم ضد نظام حزب البعث.

و مع ذلك، فإن السيد مقتدى الصدر لم يحسم بعد تحوله الكامل من زعيم تيار جماهيري سياسي إلى رجل دولة مؤسساتي، مع أن قراراته السياسية أتسمت في برنامجه الإصلاحي ومواقفه من المشاركة في العملية السياسية، حيث تترجم إلى مشروع إصلاحي دائم ومستقر داخل مؤسسات الدولة.

التحدي من الأعتراض إلى برنامج البناء

يرى المحللون أن التحدي الأكبر الذي يواجه السيد مقتدى الصدر اليوم لا يكمن في تعزيز شعبيته، بل في كيفية أستخدام هذه الشعبية لصالح مشروع وطني جامع حيث أن الدولة العراقية تمرّ في أزمة هيكلية تتجاوز برنامج الفساد والمحاصصة، إلى أنهيار شبه كامل في مؤسساتها السيادية.

وفي هذا السياق يشير مراقبون محللون إلى أن السيد مقتدى الصدر يمتلك الأدوات اللازمة، لكنه لم يستخدمها بعد لتفكيك منظومة الفساد والتدخلات الخارجية، فقد أكتفى غالبًا بالأنسحاب أو الضغط، وذلك دون تقديم بدائل مؤسساتية أخرى .

السيد مقتدى الصدر لم يحسم بعد تحوله الكامل من زعيم تيار جماهيري سياسي إلى رجل دولة مؤسساتي، مع أن قراراته السياسية أتسمت في برنامجه الإصلاحي ومواقفه من المشاركة في العملية السياسية

لحظة تاريخية… والقرار بيده

العراق وكما يصفه البعض يقف اليوم على مشهد متوتر محلي وأقليمي، وسط تراجع ثقة الشارع العراقي بالطبقة السياسية وتصاعد دعوات التدويل، وتكريس دور الفصائل المقاومة .

وفي هذا المشهد المعقّد، يبدو السيد مقتدى الصدر من الزعماء القلائل الذين لم يتهموا بالفساد ولم يخضعوا كليًا للمحاور الإقليمية، وهذا ما يجعله  نظريا وعمليا كونه مؤيّدا من شعبية جارفة، الأوفر حظا في  القيادة لتحول وطني شامل حيث إن قرر ذلك.

ويبقى السؤال المطروح، هل يختار السيد مقتدى الصدر أن يكون رجل اللحظة العراقية، أم سيبقى في المواقف المناورة والمواقف غير الحاسمة، في وقت يبحث فيه الشعب العراقي عن رجل دولة يعيد تعريف السياسة، ويبني الحكومة الجديدة تقوم على العدالة والهوية الجامعة؟

العراق لا يحتاج إلى مزيد من الزعامات، بل إلى من يملك الجرأة على الأنتقال من موقع الأعتراض إلى مشروع بناء الدولة وزعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر و بكل ما له وما عليه، يقف على عتبة فرصة أصلاحية تأريخية، قد لا تتكرر.

اقرأ أيضا: العراق على صفيح ساخن: «التيار الصدري» يقاطع الإنتخابات ويلوّح بانتفاضة شعبية

السابق
مصرف لبنان یحظر على المصارف والمؤسسات المالية التعامل مع «القرض الحسن»
التالي
الرئيس عون: لبنان بلد صناعي وتشكل صناعاته رافعة أساسية للاقتصاد الوطني