اسرائيل تُشعل البقاع ودمشق تسترجع السويداء..التصعيد العسكري يواكب المواجهات السياسية

غارة جوية اسرائيلية على البقاع

في تطور متسارع يعكس عمق التحولات الجيوسياسية في المشرق، شهد لبنان صباح اليوم أعنف غارات إسرائيلية على منطقة البقاع منذ بداية التصعيد الأخير، بينما دخل الجيش السوري إلى مدينة السويداء لأول مرة منذ سقوط نظام بشار الأسد، وسط مؤشرات على مرحلة جديدة من إعادة رسم التوازنات الإقليمية على جبهتي لبنان وسوريا. فبينما تصعد إسرائيل حملتها الجوية ضد “قوة الرضوان” التابعة لحزب الله، تندفع دمشق بدعم ضمني روسي نحو تثبيت سيطرتها على معاقل ظلت خارج نفوذها منذ سنوات. مشهد يوحي بأننا أمام تقاطع ناري إقليمي تقوده تل أبيب ودمشق بالتزامن، وتحت أعين واشنطن وطهران.

غارات إسرائيلية عنيفة في البقاع

شن الطيران الحربي الإسرائيلي فجر اليوم سلسلة غارات جوية وصفت بـ”التدميرية” على مواقع في السلسلة الغربية لجبال لبنان ومحيط بلدات بوداي، شمسطار وجرد بريتال، مستهدفًا ما وصفه الجيش الإسرائيلي بـ”مواقع استراتيجية تستخدمها قوة الرضوان لتخزين الأسلحة والتدريب على عمليات هجومية”.

ووفق بيان صادر عن قيادة الجيش الإسرائيلي، فقد زعم ان “الغارات نُفذت بناءً على معلومات استخبارية من جهاز “أمان”، واستهدفت “عناصر ناشطة ومخازن أسلحة تشكل تهديدًا مستقبليًا وتخرق التفاهمات القائمة بين لبنان وإسرائيل”. وبينما لم يصدر أي رد مباشر من حزب الله، تسود حالة من الترقب الشعبي والعسكري جنوبًا، مع استمرار تحليق الطائرات الإسرائيلية بكثافة في الأجواء اللبنانية.

جلسة مجلس النواب

في موازاة التصعيد العسكري، عقد البرلمان اللبناني جلسة عامة دعا إليها رئيس مجلس النواب نبيه بري لمساءلة الحكومة حول سياساتها العامة، في لحظة داخلية مشحونة بالأزمات المالية والسياسية والانقسام الحاد حول سلاح حزب الله ودور الدولة.

وشهدت الجلسة نقاشات وكلمات حادة صدرت عن عدد من النواب، خصوصًا المنتمون منهم الى كتلتي “لبنان القوي” و”الجمهورية القوية”، حيث طالب النائب جورج عدوان بخطة زمنية لاستعادة هيبة الدولة وسحب السلاح غير الشرعي، محذرًا من أن الدولة “تتفرج ولا تنطق بكلمة”، بينما رد سليم عون مشددًا على غياب أي خطة إصلاحية من الحكومة.

في المقابل، تساءل النائب جميل السيد عن “الورقة الإسرائيلية” التي زُعِم أنها قدمت إلى وسطاء أمريكيين، مشيرًا إلى أن “إسرائيل تلعب على الفواصل”، وأن الموفد الأميركي توم برّاك يتجاوز مهمته كوسيط تقني، مطالبًا بموقف حكومي واضح تجاه ما يجري.

السويداء تعود إلى كنف الدولة السورية

أما في سوريا، فقد اعلنت وزارة الداخلية السورية عن دخول الجيش النظامي مدينة السويداء ذات الأغلبية الدرزية لأول مرة منذ سقوط نظام الأسد، بعد اشتباكات عنيفة استمرت يومين بين مجموعات محلية ومسلحين من العشائر. وأعلن وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة “وقفًا تامًا لإطلاق النار” بعد اتفاق مع وجهاء المدينة، متعهدًا بالردّ فقط على مصادر النيران.

ورحبت الرئاسة الروحية الدرزية، المقربة من الشيخ حكمت الهجري، بدخول القوات النظامية، داعية إلى التعاون مع الدولة وتسليم السلاح. ويُنظر إلى هذه الخطوة كجزء من مسار تدريجي لإعادة تثبيت سلطة الدولة السورية في الجنوب، برعاية روسية وموافقة ضمنية من بعض القوى الإقليمية، لا سيما في ظل انشغال إسرائيل بالتصعيد اللبناني.

اجتماع أمني طارئ في تل أبيب

في ظل هذه التطورات، أعلنت إذاعة الجيش الإسرائيلي أن سلاح الجو قصف دبابة سورية في منطقة السويداء، في ما يبدو أنه رسالة مزدوجة لدمشق والفصائل المسلحة هناك. وعقد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اجتماعًا أمنيًا عاجلًا مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان أيال زامير، لمناقشة تطورات الجنوب السوري ولبنان.

وترى مصادر إسرائيلية أن “إعادة تموضع النظام السوري في الجنوب قد يُوظف لصالح محور المقاومة”، خصوصًا إذا ما اقترن بتنسيق ميداني غير مباشر مع حزب الله أو بانتشار إيراني-روسي في تلك المنطقة الحساسة. في المقابل، تعتبر تل أبيب أن الضغط على حزب الله في البقاع، وتفكيك بنيته العسكرية في الجبال الشرقية، يمثل أولوية استراتيجية لمنع اتساع الجبهة.

إعادة ترتيب الجبهات

والخلاصة، فإن ما يجري في البقاع والجنوب السوري لا يبدو معزولًا عن بعضه. فالتوقيت المتزامن بين الغارات الإسرائيلية والانتشار السوري في السويداء يوحي بتغيرات أعمق في طبيعة التموضع الإقليمي. وبينما تسعى إسرائيل لتقويض قوة حزب الله قبل أي تسوية محتملة، تسعى دمشق للعودة إلى عمقها الاجتماعي في السويداء، مستفيدة من الإجماع الإقليمي على منع الفوضى جنوب سوريا.

الأيام المقبلة ستكون حاسمة، ليس فقط على مستوى المواجهات الميدانية، بل أيضًا في كيفية تفاعل واشنطن وطهران وموسكو مع هذه المعادلات المستجدة.

اقرأ أيضا: السويداء تشتعل مجددًا: اشتباكات درزية-بدوية دامية تكشف هشاشة السلطة المركزية

السابق
جنبلاط: إسرائيل لن تحمي أحدا بل تريد تأجيج القتال في السويداء
التالي
الصحف الإيرانية: نافذة الدبلوماسية مفتوحة رغم عدم الثقة بالولايات المتحدة