لماذا لن يسلّم حزب الله سلاحه..وما الذي قد يفعله بدلًا من ذلك؟

حزب الله تشييع جمهور رجال

على وقع زيارة المبعوث الأميركي طوم براك إلى بيروت، وتبعًا للورقة التي قدّمها إلى الدولة اللبنانية بشأن النقاط المطلوب العمل عليها في مسألة سحب سلاح حزب الله، ومع سخونة الأيام المقبلة التي يترقّبها اللبنانيون بقلق، لمعرفة ما إذا كانت ستشهد تهدئة نسبية أم أننا سننتقل إلى تصعيد أميركي–إسرائيلي وبداية الجزء الثاني من الحرب الإسرائيلية على لبنان، تبقى مسألة تسليم حزب الله لسلاحه قضية بالغة الدقة والحساسية، ومفصلية في تاريخ لبنان ووجوده ووحدته.

لكن، كما يبدو من تصريحات مسؤولي حزب الله، وفي مقدمتهم الأمين العام الشيخ نعيم قاسم، ومن القيادات السياسية للحزب، ومن خلال متابعة إعلامه والذين يدورون في فلكه، فإن خيار تسليم السلاح غير وارد. لكن ما يقال للاستهلاك الإعلامي ليس بالضرورة هو نفسه ما يقال داخل أروقة المفاوضات مع طوم براك والرؤساء الثلاثة وداخل قيادة حزب الله!

السلاح..جوهر وجود حزب الله

بالنسبة لحزب الله فالسلاح يمس جوهر وجوده: فكيف له أن يسلّم سلاحه؟! في هذا المقال أعرض جملة من الاعتبارات والأفكار التي تحول دون تسليم الحزب لسلاحه، لكنها في الوقت ذاته تعد تداعيات جذرية على كيانه في حال اتخذ قرار التسليم. ففي كلتا الحالتين: سواء سلّم الحزب سلاحه أم لم يسلّمه، تبقى هذه الاعتبارات جوهرية.

أولًا: بالنسبة إلى حزب الله، يبقى الخطر الإسرائيلي هو التهديد الأكبر. فمن يستطيع أن يقدّم ضمانة حقيقية بعدم عودة استهداف الحزب وقياداته وقرى الجنوب؟ ومن يضمن أن التوازنات الإقليمية، في منطقة شديدة التقلّب، لن تنقلب في لحظة، فتُعيد فتح أبواب المواجهة من جديد؟

ثانيًا: ثمّة هاجسٌ آخر يتمثل في الخوف من الجانب السوري، لا سيّما على طول الحدود الشرقية. فوسط الحديث المتنامي في بعض الأوساط السياسية والإعلامية عن احتمال إعادة تمكين النفوذ السوري في لبنان، تبرز تسريبات تتحدث عن مشروع لإسناد الملف اللبناني إلى النظام السوري الجديد بقيادة أحمد الشرع. إضافة إلى الأخبار التي تتحدث عن آلاف المقاتلين الأجانب على الحدود السورية–اللبنانية!

ثالثًا: يُعدّ السلاح بالنسبة إلى حزب الله أكثر من مجرد أداة عسكرية؛ إنه مسألة عقيدة وأيديولوجيا راسخة. فكيف يمكن للحزب أن يبرر وجوده، أو يَستمرّ في مسيرته، من دون هذا السلاح الذي يُعتبر ركيزة أساسية في هويته؟ فالثورة المسلحة ليست مجرد خيار استراتيجي، بل جزء لا يتجزأ من فلسفة الحزب وأسس نشأته. وبحسب رويترز نقلًا عن مسؤول أوروبي فإن “سلاح حزب الله يعد بمثابة حمضه النووي الخاص به، وسيكون من الصعب تحوّله إلى حزب سياسي”.

رابعًا: يرتبط حزب الله بإيران ارتباطًا عميقًا وشاملًا، يشمل الأبعاد السياسية والأيديولوجية والعسكرية. وفي ظل غياب السلاح، يطرح السؤال عن طبيعة هذا الارتباط ومستقبله. فكيف يمكن أن يستمر الحزب في دوره كذراع إيراني فعال من دون القدرة العسكرية التي تشكّل أحد أعمدة قوته؟ وما الجدوى التي ستكون له بالنسبة إلى إيران إذا فقد سلاحه، الذي يُعتبر أداة أساسية لتحقيق أهدافها الإقليمية؟ وما جدوى الاستثمار الإيراني بمليارات الدولارات في حزب سياسي لا يحقق لها أي أهداف استراتيجية في مواجهة إسرائيل وأميركا؟!

خامسًا: تُشكّل قضية عشرات الآلاف من العناصر والقيادات الذين يتقاضون رواتب ومعاشات عبر مصادر تمويل متعددة أحد الأبعاد الحيوية لعمل حزب الله. فتمويل الحزب يأتي من إيران، إضافةً إلى مصادر أخرى في أفريقيا وغيرها، واستثمارات متنوعة يمتلكها الحزب، بدءًا من مؤسسات مثل “القرض الحسن” وصولًا إلى شبكة معقدة ومتشابكة من الأنشطة داخل لبنان وخارجه. هذه المصادر تشكّل منافذ مالية تتعارض في كثير من الأحيان مع القوانين اللبنانية، كونها غير منظمة رسميًا، وتتضمّن عمليات تحويلات مالية غير رسمية، وأحيانًا نشاطات مثل تهريب الأموال وتجارة الأسلحة وغيرها، بعيدًا عن الأطر القانونية والدولية المعتمدة.

سادسًا: يطرح تسليم السلاح إشكالية حيوية تتعلق بالرأي العام، خاصة جمهور الحزب. فكيف سيُبرر الحزب أمام مناصريه التخلّي عن السلاح الذي شكّل لسنوات ركيزة أساسية في هويته؟ هنا تبرز أزمة الهوية التي قد يواجهها الحزب. فهل سيكون قادرًا على إعلان تحول جذري من العمل العسكري إلى العمل السياسي المدني، مع ما يحمله هذا التحول من تحديات على مستوى الثقة والشرعية بالنسبة لجمهوره؟

سابعًا: تبرز أيضًا مسألة الهوية بوصفها واحدة من أعقد الإشكاليات التي يواجهها الحزب في حال قرر التخلي عن سلاحه. فحزب الله من دون السلاح لا يعود هو نفسه، بل يتحول إلى كيان مختلف، لا يشبه الصورة التي رسّخها في أذهان مناصريه وخصومه على حد سواء. ويكفي تأمّل شعاره، الذي يتضمن بندقية الكلاشينكوف، وشعار “فإن حزب الله هم الغالبون”، ليتبيّن مدى تداخل السلاح مع رمزيته. والغلبة، بطبيعة الحال، تستند إلى القوة، لا إلى الشعارات فقط. أما الأهم في هذه المعادلة فهو عنصر “المقاومة”، الذي يشكّل جوهر الهوية الحزبية وخطابها منذ تأسيس الحزب. فإذا ما فُقد السلاح، خسر الحزب صفة “المقاومة” ومشروعها، وسيتعين عليه حينها إنتاج خطاب بديل يبرّر وجوده. لكنّ هذا التحوّل ليس سهلًا، فالخطاب البديل لا يُصنع بين ليلة وضحاها، كما أن الخطاب المقاوم، في حال استمرّ دون غطاء عسكري، قد يفقد صدقيته أمام جمهوره والرأي العام. وهنا تكمن خطورة اللحظة: لأن تسليم السلاح لا يعني مجرّد تحول في الوظيفة، بل قد يُشبه من حيث التأثير تصفية وجود الحزب نفسه، أو خروجه من جلده. فالسلاح، بالنسبة إلى حزب الله، يشكّل البيئة الطبيعية التي نشأ فيها، كما يشكّل الماء حياة السمكة.

ثامنًا: إن تخليه عن السلاح له تداعيات كبرى في مجالات متعددة، وسينعكس على المدارس والمناهج وأساليب التربية والتعليم داخل مؤسساته التعليمية، وسينعكس أيضًا على الثقافة التي يعمل على نشرها، كما سينعكس كذلك على أدائه الإعلامي، وما روجه للجمهور طيلة عقود مضت سيُصبح غير مقنع. وسينعكس أيضًا على المجتمع، وعلى مراسم عاشوراء وخطبه فيها، وعلى مجمل الصورة الثقافية للحزب، وسينعكس على الاقتصاد، لأنه لن يكون قادرًا بعد ذلك على بناء اقتصاد رديف. وسينعكس كذلك على عمله الاستخباراتي، والذي كان يقوم به عبر الالتفاف أو التواطؤ مع أجهزة الدولة اللبنانية الأمنية، بحسب ما يقول العارفون. فتسليم السلاح لا يعني فقط مسألة تسليم المعدات والصواريخ، إنما نحن نتحدث هنا عن مروحة عريضة من الأمور الجوهرية لبقائه كما كان عليه الحال منذ تأسيسه. وسينعكس كذلك على أجهزته الأمنية، وربما على تورّطه في ملفات داخلية كما يتهمه خصومه، سواء كحزب أو كأفراد ضمن الحزب، ومنها مثلًا تفجير مرفأ بيروت، والتحقيقات التي أُغلقت بعد أحداث الطيونة، وأصابع الاتهام في الاغتيالات التي بدأت منذ العام 2004، وهناك أمثلة أخرى كثيرة.

تاسعًا: سينعكس ذلك على السياسة، إذ سيفقد جاذبيته كحزب سياسي، ومع الوقت سيتحوّل إلى نسخة من حركة أمل، لكن بجاذبية أقل، لأن تسليم السلاح يعني حتمًا فتح المجال أمام أحزاب وحركات أخرى للمشاركة في العمل السياسي داخل البيئة الشيعية. وعلى المدى الطويل، سيخسر هيبته ويتراجع دوره السياسي.

عاشرًا: هناك أيضًا قضية السلطة والسيطرة والنفوذ السياسي في لبنان. فتسليم السلاح يعني بالضرورة تراجع دور الحزب، ومن ورائه الطائفة الشيعية، لتأخذ دورها الطبيعي ضمن المجال اللبناني وفي إطار الحياة السياسية. فهل يمكن أن يُسلّم سلاحه ويتنازل عن قدرته على التأثير في الواقع اللبناني وفي مختلف الاستحقاقات، والتي دأب على تعطيلها وفرض رأيه في مساراتها، من انتخاب رئيس للجمهورية، إلى تشكيل الحكومات، والانتخابات النيابية، مرورًا بسيطرته داخل مؤسسات الدولة، وتأثيره على القضاء اللبناني، وغيرها؟ ونذكر هنا التصريح الإيراني بأن إيران استولت على أربع عواصم عربية: بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء!

الحادي عشر: ربما يتفكك الحزب أو ينقسم إلى مجموعتين أو ثلاث؛ والسؤال هنا: هل ستكون جميع الأجنحة والقيادات موافقة على قرار القيادة بتسليم السلاح؟ الكثير من الكلام داخل البيئة الشيعية وبعض التحليلات السياسية منذ توقيع اتفاق 1701 يشير إلى صراع أجنحة داخل الحزب. فقرار تسليم السلاح ليس بالأمر اليسير، وسيؤدي إلى تصدّع الحزب من داخله. فمن يضمن ألّا تحدث صراعات داخلية بين جناح يؤيد الانخراط في العمل المدني، وآخر مصرّ على الارتباط بإيران ورفض الانفكاك عنها؟ مضافًا إلى احتمالية توتر العلاقة مع حركة أمل إلى حدود لا يمكن توقعها. لذلك، فإن تسليم السلاح ليس مجرد خطوة أمنية بالنسبة إلى حزب الله، بل هو زلزال وجودي.

من هنا، أرى أن حزب الله لن يسلّم سلاحه، بل سيستمر في المناورة والحوار لربح الوقت، أو ربما يتجه إلى حرب أهلية، أو ينتظر صفقة إيرانية–أميركية تُبقي على وجوده بالشكل القائم، مقابل ضمانات بعدم المساس بإسرائيل. فالحزب يدرك أساسًا أن مرحلة المقاومة قد انتهت، وأن السلاح بات وسيلة للسلطة لا أكثر. لذلك، هناك خشية من أن يؤدي الضغط باتجاه تسليم السلاح إلى عنف أهلي يفتعله الحزب كنوع من الهروب إلى الأمام، وعودة التفجيرات الإرهابية لتبرير تمسكه بسلاحه.

اقرا ايضا: زيارة باراك: الرد اللبناني لم يقنع الأميركيين: السلاح أولًا، وإلا لا تفاهمات..

السابق
13 شهيدا في غزة منذ فجر اليوم.. استئناف محادثات وقف إطلاق النار في الدوحة
التالي
لبنان في اختبار السيادة: مبادرة برّاك على الطاولة… وتلويح أميركي–إسرائيلي بالبدائل