حين تُزهَق الأرواح لحماية السلاح: الجنوب بين نار الترهيب وصمت الدولة

من جديد، يضرب الموت في قلب الجنوب، ومن جديد، تُزهَق روح بريئة بسبب مخزن صواريخ مزروع وسط البيوت. السيدة الجنوبية التي فقدت حياتها في هذا الانفجار ليست “ضحية عرضية”، ولا “خطأً تقنيًا”، بل هي شهيدة نهجٍ كامل قرّر أن يضع السلاح فوق الإنسان، وفوق الدولة، وفوق كل منطق للعيش الكريم.

لطالما قيل لنا إن هذا السلاح “يحمي الناس”، فإذا بنا اليوم نُدفَع إلى معادلة مقلوبة ومخيفة: الناس تموت لتحمي السلاح. لم يعد الأمر وجهة نظر، بل واقعًا يوميًا تعيشه بيئاتٌ بكاملها، خاضعة لسقفٍ من الترهيب السياسي والعسكري، حيث يُخزَّن السلاح في أحياء مكتظّة بالسكان، دون أي اعتبار لأرواح من يسكنونها.

هذا الانفجار ليس الأول من نوعه، ولن يكون الأخير، ما دامت العقلية ذاتها تفرض نفسها، وما دامت المحاسبة غائبة، والمسؤولية السياسية والأمنية مغيّبة، والدولة صامتة أو متواطئة.

إنّ منطق السلاح لم يعد يُحتمل. ومن يعتبر أنّ الناس مجرّد دروع بشرية لمشروعه السياسي، يرتكب جريمة إنسانية وأخلاقية لا تُغتفر. كفى تبريرًا، وكفى صمتًا، وكفى تسويات على حساب دم المواطنين.

المسؤولية المباشرة عمّا جرى تقع على “حزب الله”، الذي يُصرّ على تحويل مناطق بأكملها إلى مستودعاتٍ لسلاحه، وأهلها إلى رهائن، دون أي احترامٍ للحد الأدنى من الأمان الاجتماعي. وما يزيد الجريمة فداحة هو هذا الصمت الرسمي، والتهرّب من قول الأمور كما هي، تحت عناوين “الاستقرار” أو “الحفاظ على الوحدة”. لكن، أيّ استقرار يُبنى على الخوف؟ وأيّ وحدة تقوم على جثث الأبرياء؟

إنّ منطق السلاح لم يعد يُحتمل. ومن يعتبر أنّ الناس مجرّد دروع بشرية لمشروعه السياسي، يرتكب جريمة إنسانية وأخلاقية لا تُغتفر. كفى تبريرًا، وكفى صمتًا، وكفى تسويات على حساب دم المواطنين.

المطلوب موقف واضح وصريح: فتح تحقيقٍ جدّي ومستقل، ومحاسبة المسؤولين، لا لفلفة الجريمة، ولا إعادة تدويرها في بازار المصالح. دم هذه السيدة الجنوبية هو دم كلّ من يسكت، ودم كلّ من يغضّ النظر، ودم كلّ من قرّر أن “الاستقرار” أهم من العدالة.

ما جرى ليس تفصيلًا، بل لحظة فاصلة يجب أن توقظ الضمائر وتدفع إلى تحمّل المسؤولية. السلاح الذي يتحرك خارج مؤسسات الدولة، ويُخزَّن بين المدنيين، ليس سلاح مقاومة، بل مشروع تهديدٍ دائم لأمن الناس وحياتهم.

لقد آن الأوان لقول الحقيقة: لا كرامة لأمّة يُقتل أبناؤها في بيوتهم باسم سلاح لا يخضع لمساءلة، ولا حياة في ظلّ سطوة السلاح على ما تبقّى من وطن.

اقرا ايضا: يموت الناس.. ليبقى السلاح!

السابق
لبنان امام اختبار «ورقة السلاح»: هل حانت لحظة القرار؟
التالي
نصف مليون حبة كبتاغون في قبضة الأمن السوري… مصدرها لبنان!