اميل الى الاعتقاد
ان ترامب لا يميّز حقيقةً
بين طابة البايسبول
التي يسقطها في الحفرة؛
والقنبلة من صنع اميركي
التي يلقيها في الحروب
مباشرة او بالواسطة؛
و رؤوس البشر
التي تتساقط
جراء هذه الحروب.
ولا يعود ذلك
الى ان الشكل الدائري
للطابة والقنبلة والرأس،
يصعّب على ترامب التمييز بينها.
فملامح وجه ترامب
لا تتغيّر كثيرا
عندما ينتقل من الكلام
عن تهجير الفلسطينيين من غزة
الى الكلام عن تحويل غزة الى كازينو،
او عندما ينتقل من الكلام
عن لعبة البايسبول
الى الكلام عن إغتصاب النساء
او إلقاء القنابل على إيران.
هذا الترامب،
الذي يعشق العروض العسكرية
ويرسل المارينز لقمع شعبه في لوس أنجلوس
ويهزأ من رئيس أوكرانيا الجالس امامه
ويعلن اليوم تدمير المفاعل النووي الايراني،
لا تذكّرنا ملامح وجهه
بقساوة ملامح المستبدين من امثاله
الذين عرفهم التاريخ:
هتلر وستالين والخميني
وحافظ الأسد وصدّام حسين.
يبدو لي ان ترامب
القادم الى السياسة من تلفزيون الواقع،
لم يساهم بجعل التلفزيون أكثر واقعية
بقدر ما حوّل الواقع الى مشهد تلفزيوني
يصنعه ويتفرّج عليه من بعيد.
الانفصام
بين فظاعة ما يقوله ترامب أو ما يفعله
من جهة،
وما ينعكس من مشاعر غير مبالية
في ملامح وجهه
من جهة ثانية،
ربما هو يشير إلى وجه من أوجه الاستبداد
في عصر التكنولوجيا.
حُكي كثيراً
عن تفوق التكنولوجيا على الايديولوجيا
في حرب إسرائيل على غزة ولبنان،
وكأنه لا ايديولوجيا للتكنولوجيا.
نحن في الواقع
في عصر ايديولوجيا التكنولوجيا،
التي لا تكتفي بفصل دماغ الإنسان عن جسده
من خلال الذكاء الاصطناعي،
بل تقصي أيضا مشاعره
عن الواقع المعاش.
وبإعتقادي انه لم يكن ممكناً
تقبل هيمنة الذكاء الاصطناعي
على عقل الانسان،
لو لم يجرِ مسبقاً
تفريغ مشاعره من إنسانيتها،
هذه الانسانية التي قُتلت في غزة
بإسم ايديولوجيا
التكنولوجيا.
صحيح أن ايديولوجيا التكنولوجيا
لا تزال مدعَّمة من إيديولوجيا
اليهودية الصهيونية والبروتستانتية الصهيونية
والإثنتان مدعّمتان من الإيديولوجيا الرأسمالية،
لكن بإستطاعتها ربما مع الزمن
الاستقلال عنها
وبناء ايديولوجيا اللاإيديولوجيا،
اي تلك المجردة
من المعنى الاصلي للايديولوجيا
التي هي ” مجموعة من الأفكار والقيم والمعتقدات
التي تشكل رؤية للعالم،
وتوجه سلوك الأفراد والجماعات
التي تعتنقها”،
أكانت هذه الايديولوجيا
ليبرالية او شيوعية او فاشية او بعثية او دينية.
الإيديولوجيا كانت دائما
ملازمة لحياة الإنسان
التي ابتكرتها طبيعته الإنسانية
في محاولتها للعيش جماعياً على هذه الارض،
فإذا بإيديولوجيا التكنولوجيا
تريد ان تقول للإنسان
انه لم يعد بحاجة للإيديولوجيا
طالما انه فقد إنسانيته
لصالح التكنولوجيا.

