بين الطائفة والدولة: آن أوان القيادة البديلة للشيعة

في قلب الأزمة اللبنانية المتكرّرة، تتجلّى معضلة جوهرية داخل الطائفة الشيعية: غياب قيادة وطنية مسؤولة تربط هذه الجماعة بالدولة، وتعيد دمجها في مؤسساتها. فمنذ عقود، تتصرّف القوى المهيمنة داخل المجتمع الشيعي، وعلى رأسها حزب الله، ككيان مستقلّ يعلو على الدولة، ويتجاوزها، ويحلّ محلّها في كلّ ما يتصل بالقرار المصيري.

لقد آن الأوان لأن يُطرح هذا التحدّي بشكل واضح وصريح: مَن يقود المجتمع الشيعي اليوم؟ وبأي شرعية؟ ولمصلحة من؟ وهل لا تزال هذه القيادة تعبّر عن المزاج الحقيقي للشيعة، أم أنها باتت تعبّر فقط عن تحالفات إقليمية ومصالح حزبية ضيّقة، تُحمّل الجماعة كلّها أثماناً لا طاقة لها بها؟

المطلوب اليوم ليس انقلابًا داخل الطائفة، بل صحوة. صحوة تعيد ربط الشيعة بالدولة اللبنانية، وتؤمن بأن الانتماء إلى الدولة ليس خصماً للهوية، بل ضمانة لها. إنّ منطق “نحن والدولة على خلاف” هو منطق كارثي، ولا يمكن لمجتمع أن يعيش طويلًا خارج العقد الوطني، أو في ظلّه، أو ضدّه.

الحاجة إلى قيادة وطنية

ما يحتاجه الشيعة اليوم ليس مزيدًا من الولاء للأوامر الإقليمية، بل قيادة وطنية بديلة تقبل بسلطة الدولة، وتفهم أن القيادة في لبنان لا يمكن أن تكون محصورة بمنطق المقاومة وحده. فلبنان ليس ثكنة عسكرية، بل وطنٌ مركّب، متعدّد الهويات، ومفتوح على العالم. ومن يريد قيادة مجتمع فيه، عليه أن يتحلّى برؤية واسعة، ومسؤولية وطنية، لا بحسابات سلاح وولاءات خارجية.

إنّ من يُرِد أن يكون قائداً على مستوى الوطن، يجب أن يمتلك المؤهلات التي تسمح له بالتفكير في كل البلد، لا في قطاع طائفي ضيّق. وهذا يتطلّب أن يكون على دراية بالتوازنات الداخلية، وبالموقف الدولي، وبحساسية الجغرافيا السياسية. ولا يمكن لقرار بحجم الحرب أو السلم أن يُتّخذ خارج مؤسسات الدولة، أو أن يكون حكرًا على جماعة مسلّحة، تقرّر وحدها متى تقاتل، وأين، ولِمَن.

ما يحتاجه الشيعة اليوم ليس مزيدًا من الولاء للأوامر الإقليمية، بل قيادة وطنية بديلة تقبل بسلطة الدولة، وتفهم أن القيادة في لبنان لا يمكن أن تكون محصورة بمنطق المقاومة وحده

الحرب ليست قدَرًا

لبنان اليوم أمام احتمال حرب مدمّرة، تُلوّح بها إسرائيل، وتُستدرج إليها البلاد من خلال مغامرات غير محسوبة. وهنا لا بدّ من وقفة عقلانية: هل يمكن لبلد صغير منهك اقتصاديًا، بالكاد يرمّم ما دمّرته الحروب السابقة، أن يتحمّل حرباً جديدة؟

حزب الله يروّج أن الحرب فرضٌ لا خيار فيه، وأنه يحمي لبنان. لكن الحقيقة أن قرار الحرب والسلم ليس من حق أيّ حزب، حتى لو كان شعبيًا، أو “مقاومًا”. الحرب قرار وطني سيادي لا يُتّخذ في الضاحية، بل في الدولة. وأيّ تجاوز لهذا المنطق هو دعوة صريحة لتفكيك ما تبقّى من الكيان اللبناني.

التجربة الإيرانية ليست نموذجًا

إيران التي يستلهم منها حزب الله مرجعيته السياسية والدينية تعيش أزمة اقتصادية خانقة. نظام ولاية الفقيه الذي يُصدَّر إلى لبنان لا يصلح لحكم بلد تعدّدي كلبنان. ففكرة أن يحكم رجال الدين باسم “الحق الإلهي” تتناقض مع أبسط قواعد الديمقراطية والعيش المشترك. كما أن إيران، التي بالكاد ترعى مصالحها، لا تملك القدرة على حماية لبنان أو إعادة إعمار ما يُدمّر فيه. فكيف نُسَلّم مصيرنا لقوة تستمد شرعيتها من نظام مأزوم؟

حزب الله يروّج أن الحرب فرضٌ لا خيار فيه، وأنه يحمي لبنان. لكن الحقيقة أن قرار الحرب والسلم ليس من حق أيّ حزب، حتى لو كان شعبيًا، أو “مقاومًا”. الحرب قرار وطني سيادي لا يُتّخذ في الضاحية، بل في الدولة.

الشيعة جزء من الدولة.. لا ضدّها

لا خلاص للشيعة خارج الدولة. ولا مستقبل لهم في ظل قيادة ترى في الدولة عدوًا، أو في لبنان ساحة. لقد دفعوا أثمانًا باهظة في كل حرب، في أرواحهم وبيوتهم وسمعتهم. وقد آن لهم أن يُطالبوا بقيادة تُدافع عن مصالحهم لا عن مشاريع غيرهم. قيادة لا تذهب إلى الحرب قبل أن تبني مدارس. لا ترفع السلاح قبل أن تؤمّن فرص العمل.

العودة إلى الدولة ليست ضعفاً، بل قوّة. والتخلّي عن وهم “الاستثناء الشيعي” هو شرط الاندماج الكامل في الوطن. لبنان لا يُبنى إلا بجميع طوائفه، وعلى رأسها الطائفة الشيعية التي يجب أن تستعيد مكانتها كركن من أركان الدولة، لا كأداة في يد خارجها.

اقرأ أيضا: «بالقلب والعقل».. أول حديث عن دخول «الحزب» الحرب إلى جانب إيران

السابق
شهيد في استهداف إسرائيلي بطائرة مسيّرة جنوباً… و«الدرون» تمنع الاقتراب بالقنابل
التالي
بين تحذيرات باراك وتهديدات ترامب.. «الحزب» عالق في صراع الحسابات