ثمة سبب لبناني جديد للخوف من “النظام” السوري الجديد، يضاف الى رصيده من المخاوف التي أثارها منذ وصوله الى السلطة في مطلع كانون الأول الماضي، لا يقل خطورة عن الفظاعات التي إرتكبتها الاسرة الاسدية طوال نصف قرن مضى بحق السوريين واللبنانيين على حد سواء.
اقرأ أيضاً: صراع تركي اسرائيلي: «من يكسب سوريا سيتحكم بتوجهات المنطقة على مدى 100 عام»!!
وكل يوم يمر، يقدم الحكم الإسلامي الجديد، دليلا على انه لا يختلف عن سلفه البائد، سوى باللحى الطويلة التي ترتسم على وجوه قادته ورموزه، وتنتشر اليوم في الفضاء السوري العام لتأمر عامة السوريين، على تنوع أكثريتهم وأقلياتهم، بالمعروف، وتنهاهم عن المنكرات جميعا..سوى واحد فقط. أعتباراً من الآن، أصبح باطلاً، كل كلام عن أن سوريا لم تخرج بعد من نشوة الخلاص من النظام الاسدي، وما زالت تستفيد من فرصة استكشاف طريقها الصعب نحو إعادة بناء دولة منهارة، وترميم مجتمع متهالك. لم يعد شك لا في هوية النظام الجديد، ولا في نواياه، ولا في جدول أعماله، ولا في أساليبه، ولا في مساعيه الحثيثة لاكتساب شرعية خارجية.. التي تقوده في الاتجاهات الخاطئة، ووضعته مؤخرا على طاولة واحدة في أبو ظبي مع العدو الإسرائيلي، من دون أن يرف له جفن، ومن دون أن يشي بأنه دخل في ذلك النفق مكرهاً، نتيجة الضغط العسكري والسياسي الإسرائيلي، ومن دون أن ينتبه الى أنه لن يخرج منه إلا محطماً، ومجبراً على تنازلات تفوق ما حصل عليه العدو بفعل اختراقاته الواسعة للأرض السورية.
إذا كان لا بد من كف شرّ العدو عن سوريا، كان يمكن للتفاوض أن يتم على خط الهدنة الحدودي، وبرعاية قوات الأمم المتحدة(الاندوف)، وبتغطية أميركية وفرنسية وبريطانية وعربية
لم يكن لذاك الدخول السوري في هذا النفق المظلم سوى إسمٍ واحد، هو إعلان الإستسلام التام والمبكر والسابق لأوانه أمام العدو، والتسليم المطلق بكافة شروطه التي وضعها في الأشهر الخمسة الماضية، والتي تشمل فرض حمايته على بعض شرائح المجتمع السوري، ووصايته على بقية الشرائح، وتكريس دوره شريكاً في صناعة مستقبل سوريا.
لم يكن بديل هذا المسار السياسي الخطر يحتاج سوى القليل من الحنكة التي يفتقدها حكام دمشق كما يبدو : إذا كان لا بد من كف شرّ العدو عن سوريا، كان يمكن للتفاوض أن يتم على خط الهدنة الحدودي، وبرعاية قوات الأمم المتحدة(الاندوف)، وبتغطية أميركية وفرنسية وبريطانية وعربية.. فيكون تفاوضاً عسكرياً أملته الوقائع التي فرضها الاحتلال على الأرض، على أن ينتقل، في حال نجاحه، بمشيئة الله، الى المستوى السياسي. ما حصل حتى الآن هو عكس المنطق والعقل والمصلحة الوطنية السورية، التي كانت ولا تزال تقتضي، على الأقل، الاستفادة من تجربة النظام الاسدي في نفاقه الموازي للنفاق الإسرائيلي حول السلام، الذي لم يكن العدو يريده يوماً لكنه كان يستخدمه وسيلة للابتزاز والتشهير واستعراض القوة والتفوق العسكري والدبلوماسي. أما الآن، فإنه بات من الطبيعي التسليم بأن إسرائيل إنما فتحت جبهة سوريا على مصراعيها خلال الأشهر الخمسة الماضية، من أجل أن تفتح قناة أبو ظبي، المتصلة بمعاهدات إبراهام المشؤومة، التي تترقب انضمام سوريا (ولبنان) إليها، على نحو ما شاع مؤخرا، على لسان الإسرائيليين، وعلى ألسنة سورية إسلامية حاكمة وموالية ( بل وحتى معارضة) لم تشعر بحرج الذهاب المبكر الى تفاوض سياسي غير مشروط مع العدو، ولم تتردد في دعم هذا الخيار باعتباره “برغماتية”. بالطبع، هذا شأن سوريا الإسلامية الوليدة، لكنه من بيروت بالتحديد، يحتمل أن يصبح شأناً داخلياً لبنانياً، يهدد الأمن الوطني، إذا ما تلقت الحكومة اللبنانية، دعوة الى التفاوض السياسي مع إسرائيل، في أبو ظبي أو سواها من العواصم العربية، وإذا ما ردّت غالبية لبنانية، مرجَّحة، بالترحاب الذي يمكن حتى أن يُحرج الإسرائيليين أنفسهم !

